لم يره. وكان أبو جعفر علوي الرأي محققا منصفا، قليل العصبية، ألف سبعين كتابا في علم الكلام اه.
وقول أستاذنا إن الجاحظ قد يعمد إلى التمويه، وتمويهه تمويه العاقل، كلام يحتاج إلى شرح قليل. فإن الجاحظ قد ينقل بعض المسائل على علاتها لا يعرض لها بنقد كما وقع له أن نال من أميري المؤمنين عمر بن عبد العزيز ومعاوية بن أبي سفيان. فنسب إلى معاوية في رسالته القيان ما يقدح في عدالته وما كان معاوية بالمستهتر ولا بالمتهتك، ولم يجرأ خصومه أن يتهموه بشيء من ذلك. وغريب من أبي عثمان إطلاقه هذا القول مع حبه للحق حتى في مقارعة أعدائه. ولقد شهدناه يدافع عن الخوارج لما أعجبه نسكهم وامتناعهم عن الكذب على من خالفهم، وإن لم يقل بقولهم في إكفار من رضي بالتحكيم، وحط من الرافضة لما رآهم يضعون ما لا يحل من الكذب على الرسول وعلى مخالفيهم، وأصلاهم نارا من نقده لما وضعوا آل علي في منزلة لا يرضاها العقلاء من ذريته، فقالوا بعصمتهم وأن المعاصي لا تضرهم.
ومن هذا الضرب إشارته إلى ما وقع بين أحمد بن حنبل والمعتصم في مسألة خلق القرآن قال الجاحظ: وبعد فنحن لم نكفر إلا من أوسعناه حجة، ولم نمتحن ألا أهل التهمة، وليس كشف المتهم من التجسس، ولا امتحان الظنين من هتك الأستار، ولو كان كل كشف هتكا. وكل امتحان تجسسا، لكان القاضي أهتك الناس لستر، وأشد الناس كشفا لعورة، والذين خالفوا في العرش، إنما أرادوا نفي التشبيه فغلطوا، والذين أنكروا أمر الميزان إنما كرهوا أن تكون الأعمال أجساما وأجراما غلاظا، فأن كانوا قد أصابوا فلا سبيل عليهم، وإن كانوا قد أخطئوا فإن خطأهم لا يتجاوز بهم إلى الكفر، وقولهم وخلافهم بعد ظهور الحجة تشبيه للخالق بالمخلوق، فبين المذهبين أبين الفرق. وقد قال صاحبكم للخليفة المعتصم يوم جمع الفقهاء