إحكامًا، لا يغار عليها ولا يغالب فيها، لأنه لا يبلغ كنهها، ولا ينال غيهبها ولا يعرف قلبها، ولا يقرع بابها، وهو تعالى أملك لنواصينا، واطلع على أدانينا وأقاصينا، له الخلق والمر، وبيده الكسر والجبر، وعلينا الصمت والصبر، إلى أن يوارينا اللحد والقبر والسلام.
كتب هذا الكتاب في شهر رمضان سنة أربعمائة، وكشف به الغطاء عن محيا حقائق عصره، وألمَّ فيه أي إلمام بما حداه على تعفيه اثره، لما لقي من الإنكار، وناله من أهل جيله، فهجن بما هجن، وأزعج بما أزعجن ولولا أن السويداء غلبت عليه بإقراره، واليأس من الحياة وبينها سد عليه مسالكه، وزين له إتيان ما أتى - وبنات الأفكار، أغلى من كل عقار ونضار - لما أقيمت له معذرة، ولا أسبل على ذنبه ستر المغفرة، وبالسويداء قد يهلك المرء أعز حبيب على قلبه، إذا ثاب إليه عقله ندم على فعلته، وبالمرة الصفراء قد يقتل نفسه، والنفس الأعلاق على الإطلاق. والتوحيدي مع هذا لم يأت بدعًا فريًا، ولعمله أشباه ونظائر، بيد أن الزمن الذي قلبه كل مقلب، وغيره في أعطاف النعم يتقلب، وإخراجه من جلده، ونبا به عن طوره، بما رآه من خبث وخبث، وعنت وعبث، لم يرض أن يستلب جميع جواهره وعقوده، ليتمتع بذرو من درره أهل الأجيال المقبلة، على نحو ما استمتع بها أبناء الأعصر الغابرة، فقضي له من قبل المأتم الذي عقده لإحراق كتبه، أن يتناقل الوراقون والطالبون أسفاره، ويتنافسوا في نسخها واقتنائها، فبقيت بصنيعهم هذه البقية الصالحة من أفكاره التي حفظت ذكراه على كرور الأعصار، وطارت كل مطار في الأقطار والأمصار.
وإن أعظم ما ينتقد عليه في هذه الرسالة قوله إنه جمع أكثر كتبه للناس ولطلب الفضل منهم، وعقد الرياسة بينهم ونشدان الجاه عندهم. وقوله هذا ينافي هدي العلماء، فإن العلم يراد لذاته، وتأليف الكتب يقصد به نفع الناس، ونشر فكر وبث