الإنصاف أمره، أن لا يعطي نفسه فوق حقها، وأن لا يضعها دون مكانها، وأن يحتفظ من شيئين، فإن نجاته لا تتم إلا بالتحفظ منهما، أحدهما تهمة الألف، والآخر تهمة السابق إلى القلب. وقال: فلا تذهب إلى ما لا تريك العين، وأذهب إلى ما لا يريك العقل، والأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول، والعقل هو الحجة. ولعمري إن العيون لتخطئ، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل، إذا كان زمامًا على الأعضاء، وعيارًا على الحواس.
دعا إلى التفكر ودعا إلى الملاحظة، قائلًا لا تشفيني إلا الملاحظة ودعا إلى الشك؛ ومن لم يشك لم ينظر، ومن لم ينظر لم يبصر، ومن لم يبصر بقى في العمى والحيرة كما قال الغزالي. أما هو فيقول: اعرف مواضع الشك وحالاتها الموجبة لها، تعرف بها مواضع اليقين وحالات الموجبة لها، وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلمًا، فلم لم يكن ذلك إلا تعرف التوقف ثم التثبيت، لقد كان ذلك ما يحتاج إليه. ثم أعلم أن الشك في طبقات عند جميعهم، ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في القوة والضعف. وقبله قال شيخه النظام: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى صار فيه شك، ولم ينتقل أحد من اعتقاده إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك.
ومعا اعتقاده بما يكشفه العقل من حقائق الكون لم يتجاوز إلى اكثر مما كتب له إدراكه، قال: ولو توقفت على جناح بعوضة وقفة معتبر، وتأملته تأمل متفكر، بعد أن تكون ثاقب النظر، سليم الآلة، غواصًا على المعاني، لا يعتريك من الخواطر إلا على حسب صحة عقلك.
وقال: والإنسان وإن أضيف إلى الكمال، وعرف بالبلاغة، وفاتش العلماء، فإنه لا يكمل أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة أيام الدنيا، ولو استمد بكل نظار