دعائه واحتجاجه في الجمع العظيم وبحضرة العدد الكثير الذين لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل والعدو المائل لما استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ولا متظرف ماجن، ولا في ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور، ولكان مشهورًا في عوامنا كشهرته في خواصنا، ولكان استبصار جميع أعيننا في حقهم كاستبصارهم في باطل نصاراهم ومجوسهم، ولما وجد الملحد موضع طمع في غبّي يستميله وفي حدث يموه له، ولو لا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا الذين نطقوا بألسنتنا واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا لما تكلفنا كشف الظاهر وإظهار البارز والاحتجاج الواضح اه.
كان الجاحظ على سعة صدره، وطول أناته، لا يغتفر التخليط لأي كان ممن عاصرهم أو تقدموا زمنه، يناقشهم ويحاسبهم خصوصًا إذا قصروا في الكلام وادعوا ما ليس فيهم وخاضوا فيما لا يحسنون الخوض فيه. فقد رأيناه آنفًا ينحى إنحاء شديدًا على الخليل بت أحمد وعلى عبد الله ابن المقفع، لأنهما كتبا في الكلام أمورًا عدها جرأة على العلم. ومن رأيه أن الرجل أتقن الصنف والصنفين من العلوم يجب أن لا يدعى غيرهما، ويحجم عن مقامات العلوم الأخرى، فلا يتطاول إلى ما لا يعلم، فالخليل بن أحمد صاحب العروض والنحو كان يجب أن يبقى في فنه لا يتعداه، وكذلك عبد الله بن المقفع كان المفروض فيه، وهو ما هو في البلاغة والحكمة واختراع المعاني، أن لا يتعدى ذلك إلى البحث في الكلام ولذلك أوجع الجاحظ هذين المؤلفين العظيمين لأنهما تعديا اختصاصهما في العلم، ونقدهما بشدة لم يشفع فيهما ذكائهما النادر، وجهة إخصائهما في الفنون الأخرى. قال في كتابه طبقات المغنيين بعد أن ذكر أن الخليل ابن أحمد واضع علم العروض: فلما أحكمه وبلغ منه ما بلغ أخذ في تفسير اللحون فاستدرك منه شيئًا ورسم له رسمًا