مرة، وبغير قصدهم أخرى.
قال أبو حيان: رويت لأبي سليمان كلامًا لبعض المتصوفة فلم يفكه ولم يهش عنده وقال: لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئًا لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول مماليك، فمن خلص نفسه من المهالك، قوي على المسالك، ومن قوي على المسالك، أشرف على المهالك، شرفا يوصله إلى الممالك. قال أبو الخطاب الكاتب: أيها الشيخ هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم، فلو زدتنا منه، فقال الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مذلة. فمن اهتدى في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث، ومن أدرك في الثالث فقد أفلح، ومن ضل في الأول وزل في الثاني خاف، ومن خاف في الثالث فهو من الهمج. واستزاده مظهر الكتب البغدادي فاستعفى قال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكسة. . . إلى أن قال: فسبحان من له القدرة وهذه الخليفة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة اه.
على هذا النحو كانوا يمضون في أحاديثهم، فقد صرح أحدهم بما يراه في التصوف فلم يحط منه ولا من المنصرفين إليه، وتناول آخر المتكلمين في غير ما تدليس ونأدب معهم، والمتكلم غير مسلم، لكن العلم مشاع لأهل كل مذهب، ولم يحمل كلامه على غير محمله. وقال آخر في الفلسفة، وامتدح من معاني اليونان، وقال: لو كتبت بالبيان العربي لكانت غيرها، وهذه هي الحرية المطلقة، ولولاها ما عاش علم صالح، ولا انبعث عقل راجح، ولا كانت حضارة هذه الأمة مما ترتفع به الرؤوس، ويقال فيها على الهر لا عطر بعد عروس.
قال في مقدمة كتابه الإشارات الإلهية مخاطبًا النفس: اللهم إنا نسألك ما يسأل، لا عن ثقة ببياض وجوهنا عندك، وأفعالنا معك، وسوالف إحساننا قبلك، ولكن عن ثقة بكرمك الفائض، وطعمًا في رحمتك الواسعة، نعم وعن توحيد لا يشوبه إشراك، ومعرفة لا يخالطها إنكار، وإن كانت أعمار قاصرة عن غايات حقائق