الخارجية، كما صرنا عندك من الضرارية والناصية، فكيف رضيت بأن تكون أسرع من الشيعة إلى أعراض الناس من الخارجية، اللهم إلا أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانية والضرارية أشبع وأجمع، وأتم وأجود وعبتني بكتاب العباسية، فهلا عبتني بحكاية مقالة من أبي وجوب الإمامة، ومن يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أن ترك الناس سدي بلا قيم أرد عليهم، وهملًا بلا راع أربح لهم، وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين سلامة العاجل وغنيمة الآجل.
وفي كتابه حجج النبوة: والعجب من ترك الفقهاء تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف الناس النبي من المتنبي والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، والفريضة من النافلة، والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من الاستفاضة، والرد من المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة والمصلحة. وقال: إن كل منطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه، فلا بد من التعارف في لأصله والتعارف في فرعه، فالعقل هو المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم الأصل، ويكون الاستدلال مع عدم واحد منهما من صاحب، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب الآخر. والعقل نوع واحد. والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على غائب، والآخر مجيء خبر يدل على صد.
كان الجاحظ محيطًا بما يجول في قلوب أولئك الناقدين الناقمين، يعرف أنهم يبغون له العثرة، ويقفون له كل حين بالمرصاد فيترفع عن مجادلتهم، لوقوفه على نباتهم، ومثل الطبقة كان على الأغلب يهزأ بها ويرحمها. وليس بعد الجهل ذنب، كما قبل ليس بعد الكفر ذنب. وقد وصف من كانوا يعترضون سبيله ويحدونه حسد لؤم وغباوة، بقوله: إني ربما ألفت الكتاب المحكم المتقن في الدين والفقه