اللفظ باللفظ، وموازنة الشيء بالشيء، إما بشهادة من العقل مدخولة، وإما بغير شهادة منه البتة، والاعتماد على الجدل، وعلى ما يسبق إلى الحس، أو يحكم به العيان، أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخيل مع الإلف والعادة والمنشأ، وسائر الأعراض التي يطول إحصاؤها، ويشق الإتيان عليها، وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع، وإسكات الخصم بما اتفق، وإتمام القول الذي لا محصول فيه، ولا مرجوع له، مع بوادر لا تليق بالعلم، ومع سوء أدب كثير، نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخله، ورفض الورع بتحمله. والفلسفة أدام اللّه توفيقك محدود بحدود ستة، كلها تدلك على أنها بحث عن جميعها في العالم: من ظاهر للعين، وباطن للعقل، مركب بينهما، ومائل إلى حد طرفيهما، على ما هو عليه، واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله، ومسموعه ومرئيه، وموجوده ومعدومه، من غير هوى يمال به على العقل، ولا إلف تغتفر معه جناية التقليد، مع إحكام العقل الاختياري، وترتيب العقل الطبيعي، وتحصيل ما ند وانقلب، من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حسًا وعيانًا، وكانت محققة عقلًا وبيانًا، ومع أخلاق الهيئة واختيارات علوية، وسياسات عقلية، ومع أشياء كثيرة يطول ذكرها وتعدادها، ولا تبلغ أقصى مالها من حقها في شرفها.
ثم قال: وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول: إني لأعجب كثيرًا من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس نحن المتكلمون ونحن أرباب الكلام، والكلام لنا بنا كثر وانتشر، وصح وظهر، كأن سائر الناس لا يتكلمون، أو ليسوا أهل كلام، لعلهم عند المتكلمين خرس وسكوت. أما يتكلم يا قوم الفقيه والنحوي والطبيب والمهندس والمنطقي والمنجم والطبيعي والإلهي والحديثي والصوفي قال: وكان يلهج بهذا وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولًا وجعلوا ما يدعونه مجهولًا عليها ومسؤولًا عن عرفها، وإن كانت المغالطات تجري عليهم، ومن جهتهم، بقصدهم