الوجه، وفي تلك الحقبة كان العارفون يحاذرون ضياع الأسلوب القديم جملة، حتى أن المأمون رفع إلى مقام الوزارة كلًا من عمرو بن مسعدة وأحمد بن يوسف الكاتب لما أعجب به من توخيهما الإيجاز في الرسائل على الطريقة القدماء وقال يومًا: ما أعجب الكلام كإعجابي بكتاب القاسم بن عيسى أبي دلف فإنه يوجز في غير عجز، ويصيب مفاصل الكلام، ولا تدعوه المقدرة إلى الإطناب، ولا تميل به الغزارة إلى الإسهاب، يجلى عن مرادة في كتبه، ويصيب المغزى في ألفاظه.
نعم رفع الملوك من بني العباس بلغاء كتابهم إلى الوزارات، وقلما رفعوا شاعرًا لشعره، لأن الشعر خيال وحسن، والكتابة عقل وحقيقة، وحاجة المماليك في تدبيرها إلى العقول، أكثر من احتياجها إلى العواطف، والعلوم على اختلاف ضروبها تكتب نثرًا. ولما نظم المتأخرون متون العلوم كالفرائض والقراءات والفقه والنحو وغيرها شعرًا أفسدوا الشعر، وما أفادوا العلوم والمتعلمين كبير أمر؛ وكان هذا العبث كالعبث بصنع الكلام يوم استخرجوا من نثر ابن المعتز ذاك الفن الذي سموه البديع، فأفسد نظام الكلام، وأخرج البيان عن أصوله وطرائقه إلى صنعه يقصد به المجانسات في الألفاظ، والاستعارات والتشبيهات في المعاني.
والكتاب كما يقول أبن قتيبة هم ألسنة الملوك، إنما يتراسلون في جباية خراج، أو سد ثغر، أو عمارة بلاد، وإصلاح فساد، أو تحريض على جهاد، أو احتجاج على فئة، أو دعاء إلى ألفة، أو نهى عن فرقة، أو تهنئة بعطية، أو تعزية برزية، أو ما شاكلها من جلائل الخطوب، ومعاظم الشؤون التي يحتاجون فيها إلى أن يكونوا ذوي آداب كثيرة ومعارف مفننة.
قال: والشعراء إنما أغراضهم التي يرمون نحوها، وغايتهم التي يجرون إليها، وصف الديار والآثار، وذكر الأوطان، والحنين إلى الأهواء، والتشبيب بالنساء، ثم الطلب والاجتداء، والمديح والهجاء. ولذلك قال ابن خلدون: إن صاحب خطة