الزيادة فيها الطوفان بالنار والماء، والموتان العارض من عموم الوباء، وتسلط المخالفين في المذاهب والآراء، فإن كل ذلك يخترم العلوم اخترامًا، وينتهكها انتهاكًا، ويجتث أصولها اجتثاثًا، وليس - عندي - الخطب في جميع ذلك يقارب ما يولده تسلط ملك جاهل تطول مدته، وتتسع قدرته، فإن إبلاء لا يعدله بلاء، وبحس عظم المحنة بمن هذه صفته، والبلوى بمن هذه صورته، تعظم النعمة في تملك سلطان عالم عادل، كالأمير الجليل الذي أحله الله من الفضائل بملتقى طرقها، ومجتمع فرقها، وهي نواز نوافر ممن لقت حتى تصير إليه، وشرد نوازع حيث حلت حتى تقع عليه، تتلفت إليه تلفت الوامق، وتتشوف نحوه الصب العاشق، قد ملكتها وحشة المضاع، وحيرة المرتاع.
فإن تغش قومًا بعده أو تزورهم ... فكالوحش يدنيها من الآنس المحل
ولابن العميد حكم وأمثال استخرجها العارفون من رسائله، ومنها: الرتب لا تبلغ إلا بتدرج وتدرب، ولا تدرك إلا بتجشم كلفة ونصي. رأس المال خير من الربح، والأصل أولى بالعناية من الفرع. المرء اشبه شيء بزمانه، وصفة كل زمان منتسخة من سجايا سلطانه. قد يبذل المرء ماله في إصلاح أعدائه، فكيف يذهل العاقل عن حفظ أوليائه. هل السيد إلا من تهابه إذا حضر، وتغتابه إذا أدبر. الإبقاء على خدم السلطان عدل الإبقاء على ماله، والإشفاق على حاشيته وحشمه، مثل الإشفاق على ديناره ودرهمه. والمزح والهزل بابان إذا فتحا لم يغلقا إلا بعد العسر، وفحلان إذا ألقحا لم ينتجا غير الشر. من أسر داءه، وكتم ظمأه، بعد عليه أن يبل من علله، ويبل من غله. خير القول ما أغناك جده، وألهاك هزله.
وقال ينبغي للملك أن يستظهر على أعدائه بسبعة أجناس من الناس، فتأخذ الأحرار عدد ملكه، والأعراب أمناء جيشه، والديلم أركان جنده، والختل جمرات عسكره، والأتراك خواص أصحابه، والهند حراس قلاعه، والأكراد غلفًا لسيوف أعدائه.