جرى بعض الخلفاء الأول من بني العباس في الشرق وبني أمية في الغرب خلال القرن الثاني على طريقة أهل القرن الأول، يطيلون تارة ويجيزون أخرى، وكذلك ساروا في الرسائل والخطب؛ ويزيد التمسك بالقديم إذا كان الخليفة كاتبًا مصقعًا في ذاته، كالمنصور والرشيد والمأمون، وكانوا يعرفون للبلاغة قدرها، ويحملون متابهم على الإيجاز، مراعاة لروح اللغة واقتداء بسيرة أئمتها، وحرصًا على أن لا يصدر عن دواوينهم ما تنبوا عنه الأذواق، ويغني قليله عن كثيره.
الأسلوب المنتشر:
رأى الناس بعد القرن الثاني أن من المصلحة الإسهاب في المكاتبات فأسهبوا، وبدأ إسهابهم ضيئلًا ثم عظم بعد. وبعد أبان ابن قتيبة سبب الإسهاب والاقتضاب بقوله: وليس يجوز لمن قام مقامًا في تحضيض على حرب، أو حمالة بدم، أو صلح بين العشائر، أن يقلل الكلام ويختصره، ولا لمن كتب إلى عامة كتابًا، في فتح أو استصلاح أن يوجز، ولو كتب كاتب إلى أهل بلد في الدعاء إلى الطاعة والتحذير من المعصية كتاب يزيد بن الوليد إلى مروان حين بلغه تلكؤه في بيعته: أما بعد فإني أراك تقدم رجلًا وتؤخر أخرى، فاعتمد على أيهما شئت والسلام، لم يعمل هذا الكلام في أنفسها عمله في نفس مروان، ولكن الصواب ان يطيل ويكرر، ويعيد ويبدي ويحذر وينذر.
ومثل هذا رأى صاحب الصناعتين قال: إن المعاني التي تنشأ الكتب فيها من الأمر والنهي سبيلها أن تؤكد غاية التأكيد، بجهة كيفية نظم الكلام لا بجهة كثرة اللفظ؛ ومثل ذلك ما يكتب من السلطان في أمر الأموال وجبايتها واستخراجها، ومنها الإجماد والإذمام، والثناء والتفريظ، والذم والاستصغار، والعذل والتوبيخ، فإن سبيل ذلك أن تشبع الكلام فيه، وكذلك فيما يكتبه العمال إلى الأمراء فمن فوقهم، وكذلك في الكتب الصادرة عن السلاطين في الأمور الجسيمة، والفتوح