وما لهم من الجماعات الكثيرة والقوة الظاهرة، وليست للخاصة طاقة بالعامة، ولا للعِلْية قوة على السفلة. وقد قالت الأوائل فيهم، وفي الاستعاذة بالله تعالى منهم، فقال علي رضي الله عنه: نعوذ بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا وإذا تفرقوا لم يعرفوا. وقال واصل ابن عطاء: ما اجتمعوا إلا ضروا ولا تفرقوا إلا نفعوا. قيل له قد عرفنا مضرة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ قال: يرجع الطيان إلى تطيينه، والحائك إلى حياكته، والفلاح إلى فلاحتهن وكل إنسان إلى صناعته، وكل ذلك رفق للمسلمين ومعونة للمحتاجين. وكان عمر بن عبد العزيز إذا نظر إلى الطغام والحشوة قال: قبح الله هذه الوجوه التي لا تعرف إلا عند الشر. . .
ذلك رأيه في العامة، وإذا تدبرها كلامًا له مثلًا، يعتذر فيه عن السلطان ويعلل سبب نقمة بعضهم، عليه، لا نتخرج من أن نذهب إلى أن هذا الفصل ما كتبه غلا ليقلل من شأن الناقمين على السياسة يومئذ، وجوابه المقدر أصح جواب يقوله سياسي، وهذا هو:
السلطان لا يخلو من متأول ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب برأيه، ذي خطل ببيانه، مولع بتهجين الصواب، والاعتراض على التدبير، حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان المملكة، يضع نفسه في موضع الرقباء، وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء، لا يعذر وإن كان مجاز العذر واضحًا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملًا، ولا يصدق بأن الشاهد يرى ما لا يرى الغالب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ولا مستدبره من لم يعرف مستقبله، ومن محروم قد اضطغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان، ومن مستبطئ قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، وقلة شكره يظن أن الذي بقي له أكثر، وأن حقه أوجب؛ ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده،