نفسي وعند الناس، من أرزن الناس، فقد غلبني وفضحني أضعف خلقه، ثم تلاقوه تعالى: (وإن يسلبهم الذباب شيئًا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب) ، وكان بين اللسان، قليل فضول الكلام، وكان مهيبًا في أصحابه، وكان أحد من لم يطعن عليه في نفسه، ولا في تعريض أصحابه للمنالة.
ولا ينقص هذه الصورة البديعة إلا أن يمسك الجاحظ بريشة المصور، ويعمد إلى أصباغه وليقته، ليصور القاضي بقده وتقاطيع وجهه ورأسه وعينيه ووجنتيه وسبلاته ويديه ورجليه وعمامته وقلنسوته أوذنيته وجبته وقفطانه وسراويله وحزامه وحذائه، ليضيف إلى صورته صورة أخرى. صور القاضي البصرة لا يصل إليها المصور المبدع، صور له معنوياته ساعة سطا عليه الذباب، وصور ما بدر منه، وما انطوى عليه من وقار في جميع حالاته، ثم أثنى على حسن سيرته وقلة فضوله، في جد كان الهزل في معانيه وإشاراته لا في ألفاظه ورصفها.
تقرينا جمال فن الجاحظ واستجليناه يتناول كل موضوع عامة أطرافه، لا يبقى حاجة في نفس سامع وتال، شهدناه مهما تعنت متعنت من جهابذة النقد يستحيل له أن يقول إنه قال كذا، وكان الأولى أن يقول كذا، وهذا من بعد مرماه في الصنعة.
علمه وبحثه:
تقدم أن الجاحظ لم تقف معارفه عند حد المنقول، وأنه تعداها إلى الأخذ من كل معقول، وأن العلوم التي اتجهت إليها همته، أحذقته فأخرجت منه عالمًا فوق العلماء، ولم يكن صحفيًا يأخذ من الكتب ما اتفق، بل كان ناظرًا محققًا يدرس الأشياء، ويقتلها بحثًا وتنقيبًا. كان مناهجه في العلم مطولًا واسعًا، وهو في كل ما خاض عبابه إخصائي وأعظم من كل إخصائي. يتناول كل ما يقع عليه الحس، وتنظره العين، وتتشوف إليه النفس. وليس نظره في كل ما عانى النظر المجرد،