قال الجرجاني في دلائل الإعجاز: واعلم أن من الكلام ما أنت تعلم إذا تدبرته أن لم يحتج واضعه إلى فكر وروية حتى انتظم، بل ترى سبيله في ضم بعضه إلى بعض سبيل من عمد إلى لآل فخرطها في سلك لا يبغي أكثر من أن يمنعها التفرق، وكمن نضد أشياء بعضها على بعض لا يريد في نضده ذلك أن تجيء له منه هيئة أو صورة، بل ليس إلا أن تكون مجموعة في رأي العين، وذلك إذا كان معناك معنى لا يحتاج أن تصنع فيه شيئًا غير أن تعطف لفظًا على مثله كقول الجاحظ: جنبك اللّه الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبًا، وبين الصدق سببًا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين، وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة.
واسمع الآن هذه الجملة يسجع فيها الجاحظ سجع الحمام، قال في كتابه ذم العلوم ومدحها يصف القرآن حجة على الملحد، وتبيان للموحد، قائم بالحلال المنزل، والحرام المفصل، وفاصل بين الحق والباطل، وحاكم يرجع إليه العالم والجاهل، وإمام تقام به القروض والنوافل، وسراج لا يخبو ضياؤه، ومصباح لا يخزن ذكاؤه، وشهاب لا يطفأ نوره، وبحر لا يدرك غوره، ومعدن لا تنقطع كنوزه، ومعقل يمنع من الهلكة والبوار، ومرشد يدل على طريق الجنة والنار، وزاجر يصد عن المحارم، ويجير يوم التحاكم.
وكما يرى الجاحظ أن الواجب تخير اللفظ الكريم للمعنى الكريم، لم ير طرح الألفاظ السخيفة للتعبير عن المعاني السخيفة، كان يرى نقل عبارات العوام ونكات الأعراب بألفاظها، وقد حشى كتابه البخلاء والحيوان بطائفة من ألفاظ عامة الطبقات في عصره، فعد ذلك في جملة إفضاله على اللغة أيضًا، قال: ومتى سمعت حفظك اللّه بنادرة من كلام الأعراب، فإياك وأن تحكيها إلا مع إعرابها