فهرس الكتاب

الصفحة 262 من 489

وعرف الرشيد أن دولة الأمويين في الأندلس أخذت كدولته تعرج معارج الحضارة وتأخذ من كل وجه بأسباب القوة، فحاذر تقدمنا نحوه بلاده، ورأى أن يقيم أمامها حاجزًا في إفريقية من دولة الأغالبة، فمنح هذه شبه استقلال، وقام بعض العلويين وغيرهم على عهد الرشيد، فقاتلهم بجزء من جيشه، فأيقنوا أن لا سبيل إلى تحقيق رغائبهم في قلب أوضاع الدولة، وعادوا بما لاقوا من الجدّ في استئصالهم يعتصمون بالتقية، وأرجأ بقايا السيوف منهم بثّ دعوتهم جهرةً إلى الوقت المناسب.

وأهم ما تم من الخير للعلم بعد القضاء على الزنادقة على عهد المهدي وتقطيع كتبهم كتقطيع أوصالهم، استمتاع أرباب العقول بحرياتهم، فأنشئوا يفكرون على ما يشاءون في نطاق الإسلام، لا يخرجون عن رخصه وعزائمه، وكثر الباحثون والدارسون، وأخذ الخلفاء والأمراء بأيدي من أتقنوا فنهم وعلمهم، واشتد الغرام بنقل العلوم المادية اشتداده في تدوين العلوم الدينية، وفي هذا الزمن نبغ عظماء في علوم الدين، وعظماء في علوم الدنيا، وعظماء في الآداب والفنون، وعظماء في الحرب والسياسة، وكان كل من تفرد بضرب من ضروب العلم والأدب يلقى من الخلفاء على الأكثر أنواع التجلة والإكرام، ويخلع عليه كل جميل.

وفي هذا الدور نبغ أئمة المذاهب الأربعة التي وقع الاكتفاء بها عند أهل السنة، ودون مذهب مالك وأبي حنيفة وغيرهما، وتم تدوين الحديث وتدوين اللغة والشعر، وكثر عظماء القراء، وزاد عدد النقلة من الفارسية والسريانية واليونانية، وراجت الوراقة رواجًا عظيمًا، لما بدأ الملوك يجمعون خزائن كتب في قصورهم، ويقيمون دور الحكمة في عاصمة الخلافة، وعلق الأمراء وعلية الأمة يتنافسون في اقتفاء آثار خلفائهم في خدمة الآداب، يحظون ويعطون كل من ينقل لهم ضربًا جديدًا من المعارف. وبعد أن كانت البصرة والكوفة مستأثرتين بالحركة العلمية،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت