فهرس الكتاب

الصفحة 330 من 489

بل نظر الفلسفة والغرائب التي صحتها التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف قناعها البرهان.

لا تراه وهو يفكر فيجيد التفكير، ويبحث فيكشف عن الحقائق، إلا داعيًا إلى استعمال العقل، وتجويد التفكير، لأن مع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة وفي التفكير مشحذة للأذهان، ومنبهة لذوي الغفلة، وتحليل لعقدة البلادة، وسبب لاعتياد الروية، وانفساح في الصدور، وعزاء في النفوس، وحلاوة تقتاتها الروح، وثمرة تغذو العقل. قال: إن كثرة السماع للأخبار العجيبه، والمعاني الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن الأمور، وأكثر الناس سماعًا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكيرًا، وأكثرهم تفكرًا أكثرهم علمًا، وأكثرهم علمًا أرجحهم عملًا، كما أن أكثر البصراء رؤية للأعاجيب أكثرهم تجارب ولذلك صار البصير السميع أكثر خواطر من البصير الأصم.

قال: والذي صير الإنسان إلى استحقاق قول الله عز وجل: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا) ليس هو صورة، وأنه خلقه من نطفة، وأن أباه خلق من تراب، وأنه يمشي على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله والمجانين، والأطفال والمنقوصين والفراق الذي هو الفرق، إنما هو الاستطاعة، والتمكن من وجوه الاستطالة، وجودة العقل والمعرفة، أفتظن أن الله عز وجل يخص بهذه الخصال بعض خلقه دون خلق، ثم لا يطالبهم إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك وأعراه منه؟ فلم أعطاه العقل إلا لاعتبار والتفكير؟ ولم أعطاه المعرفة إلا ليؤثر الحق على هواه؟ ولم أعطاه الاستطالة إلا لإلزام الحجة؟ .

وحذر المرء من الاغترار بما ألف يعرض لقلبه بادئ الرأي. ورأى أن الناس يحتاجون إلى طبيعة، ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف، وأول ما يبتدئ به صاحب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت