فهرس الكتاب

الصفحة 243 من 489

وقاصديه؛ ولن يرضى العامة والخاصة إلا إذا عمل لهم رب الأمر والنهي المعقول وغير المعقول، وصاحب الحاجة أرعن لا يروم إلا قضاءها؛ ومن كان على شيء من الأخلاق لا يستقيم له حال مع الغوغاء؛ ومن أراد أن يصدع بالحق مع الكبير والصغير مقته كل من لم يظفر بطلبته، ويعز في الطبقات من تصبر نفسه على مر الحق، وحرارة الإصلاح والتقويم.

ثم إن من كان في مثل هذه الصدارة يستحيل عليه، وهو بشر يخطئ ويصيب، أن تكون أعماله كلها مسددة، والنقص من خلق الآدميين في الجملة. مثال من خطئه في اجتهاده؛ ولعل بعض العارفين يعدونه صوابًا: روى الراوون: أن المعتصم كان أمر بأن يعطي الواثق عشرة آلاف ألف درهم يستعين بها على أمره، ويصلح بها ما يحتاج إلى إصلاحه، فدافعه بذلك مدافعة متصلة أحوجته إلى شكايته إلى المعتصم، فأنكر عليه تأخر المال. فقال: يا أمير المؤمنين: العدل أولى بك وأشبه بقولك وفعلك، ولك عدة أولاد، أنت في أمرهم بين خلتين: إما أن تسوي بينهم في العطية فتجحف ببيت المال، وإما أن تخص بعضهم فتحيف على الباقين. فقال: قد رهنت لساني فما تصنع؟ قال: تأمر لباقي ولدك بإقطاعات وصلات، وتطلق لهارون صدرًا من المال فأدافعه بباقيه، ويتسع الأمر قليلًا، وتدبر الأمر بعد ذلك بما تراه، فقال له: وفقك الله؛ فما زلت أعرف الصواب في مشورتك.

وتأدى الخبر إلى هارون، فحلف بعتق عبيده ومماليكه، وبحبس عدة خيل ووقف عدة ضياع؛ وصدقة مال جليل، لئن ظفر بمحمد ليقتلنه، وكتب اليمين بخطه، وجعلها في درج وأودعها دايته، ومرت مدة وأقضى الأمر إلى هارون، وكان ذا أناة وعقل، وكره أن يعالجه، فيقول الناس بادر بشفاء غيظه. ثم عزم على الإيقاع به، فتقدم بأن يجمع له من وجوه الكتاب من يصلح لولاية الدواوين والوزارة فجمعوا، ودعا بواحد منهم وقال له: أكتب كذا في أمر رسمه له، فاعتزل وكتب

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت