فهرس الكتاب

الصفحة 444 من 489

وأما أصحاب الدين والورع، فعلى قلتهم، ربما خلصت لهم الصداقة لبنائهم إياها على التقوى، وتأسيسها على أحكام الحرج، وطلب سلامة العقب. وأما الكتاب وأهل العلم فإنها إذا خلوا من التنافس والتحاسد، والتماري والتماحك، فربما صحت لهم الصداقة، وظهر منهم الوفاء، وذلك قليل، وهذا القليل من الأصل القليل. وأما أصحاب المذاب والتطفيف فإنها رجرجة بين الناس. ولا محاسن لهم فتذكر، ولا مساعي فتنشر، ولذلك قيل لهم همج ورعاع، وأوباش وأوتاش ولغيف وزعانف وداصة وسقاط وأنذال وغوغاء، لأنهم من دقة الهمم، وخساسة النفوس، ولؤم الطباع، على حال لا يجوز أن يكونوا في حومة المذكورين، وعصابة المشهورين فلهذه الأمور الحائلة عن مقارها، الزائغة إلى غير جهاتها، علل وأسباب، لو نفس الزمان قليلًا لكنا ننشط لشرحها، وذكر ما قد أتى النسيان عليه، وعفى أثره الإهمال، وشغل عنه طلب القوت، ومن أين يظفر بالغذاء، من كان عاجزًا عن الحاجة، وبالعشاء من كان قاصرًا عن الكفاية، وكيف يحتال في حصول طمرين للستر لا للتجمل، وكيف يهرب من الشر المقبل، وكيف يهرول وراء الخير المدبر، وكيف يستعان بمن لا يعين، ويشتكى إلى غير رحيم، ولكن حال الجريض دون القريض.

ومن العجب والبديع أنا كتبنا هذه الحروف على ما في النفس من الحرق والأسف والحسرة والغيظ، والكمد والومد، وكأني بغيرك إذا قرأها تقبضت نفسه عنها، وأمر نقده عليها، وأنكر علي التطويل والتهويل بها. وإنما أشرت بهذا إلى غيرك، لأنك تبسط من العذر ما لا يجود به سواك، وذاك لعلمك بحالي، واطلاعك على دخلتي، واستمراري على هذا الإنفاض والعوز اللذين قد نقضا قوتي، ونكثا مرتي، وأفسدا حياتي، وقرناني بالأسى، وحجباني عن الأسى، لأني فقدت كل مؤنس وصاحب، ومرافق مشفق، واللّه لربما صليت في الجامع فلا أرى إلى جبني من

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت