هذا إن لم يكن قد أخذ عنهم. فمدرسته الأولى في الواقع هي ذاك الديوان الذي اختلف إليه في صباه، وعرف فيه معاملات الحكومة وأصولها في سياسة الملك، وكتب كتبًا، وشاهد الكتاب يكتبون، وأرهف حسه، وهذب نفسه، منذ ألقى في روعه أن يكون ذات يوم صاحب شأن في الدولة.
كان ابن الزيات جهميًا، يقول بمذهب جهم بن صفوان، وهو يوافق المعتزلة في مسائل كثيرة، ومنها القول بخلق القرآن وأن اللّه لا يرى في الآخرة، وكان ممدوحه الأول الفضل بن سهل يتشيع، وهو من أعاظم الفرس أدبًا وفضلًا، وهو ابن الوزير الحسن بن سهل، والد بوران زوج المأمون. وتصرفت الأقدار تصرفها، وأبى فضل أبي جعفر إلا أن يظهر ظهورًا رائعًا خرج به من خمول الذكر إلى نباهة القدر. اتفق أو ورد على المعتصم كتاب من بعض العمال، قرأه عليه وزير أحمد بن عمار، وكان في الكتاب ذكر الكلأ فقال المعتصم: ما الكلأ؟ فقال: لا أعلم، وكان قليل المعرفة بالأدب. فقال المعتصم: خليفة أمي ووزير عامي، وكان المعتصم ضعيف الكتابة، ثم قال: أبصروا من الباب من الكتاب، فوجدوا محمد بن عبد الملك الزيات، فأدخلوه إليه فقال له: ما الكلأ؟ فقال: الكلأ العشب على الإطلاق، فإن كان طريًا فهو الخلا، فإذا يبس فهو الحشيش، وشرع في تقسيم أنواع النبات، فعلم المعتصم فضله. وتجلى له في كل موطن أنه قريع دهره في قيام الملك، وأنه حاضر البديهة، واسع المعرفة، جم الأدب. سأل المعتصم مرة جماعة من خواصه عن معنى سبب تسمية طاهر ذا اليمينين فلم يعلموا. فقال محمد بن عبد الملك: ذو الاستحقاقين استحقاق ما لجده من رزق في الدولة، واستحقاق ما له في دولة المأمون.
وكان ابن الزيات يتولى قهرمة الدار، ويشرف على مطبخ الخليفة، ويقف في الدار وعليه دراعة سوداء. يقول الطبري: إن محمد بن عبد الملك الزيات كان يتولى ما