مستفيدًا ومفيدًا، ومباحثًا ومستزيدًا، فما هذا الذي بلغني عن بعضكم، على حسن توفيري على صغيركم وكبيركم، أما إنه لو أنصف لعلم أني إلى تسمحه، أحوج مني إلى تصفحه، وهو بمجاملته أسعد مني بمجادلته، وأنا إحسانه، أشكر مني لامتحانه، وهذا باب باطنه ظاهر، وشاهده حاضر، وخفيه جلي، ولكن ما أصنع والشاعر يقول: إنما للعبد ما رزقا.
ولعمري ما زال الناس يتعادون التقاذف والتقارف، ولكن كانوا يرون التساعف والتناصف، ولا يتناسون بينهم التعارف والتوازر، والترادف والتناصر، والذي هاجني لهذه الشكوى، وأحوجني إلى هذه العدوى، قول قائل منكم، ليس للمنطق مدخل في الفقه، ولا للفلسفة اتصال بالدين، ولا للحكمة تأثير في الحكام، وهذا كلام من لو أنعم النظر، واستقصى الحال، لوقف على ما عليه فيه، وعرف ماله منه. فكان يستبدل بالخلاف وفاقًا، وبالمنازعة خلاقًا عاب هذا الرجل المنطق وهجن طريقة الأوائل، وزرى على الحكمة، وفيل رأى الناظر فيها، وقبح اختيار الباحث عنها، وهذا كله إن لم يكن قله سوء تحصيل، فإنه يوشك أن يكون ضيق عطن، وحرج صدر، ومجازفة في القول، وانحرافًا عن الصواب، وأمنًا من العقاب الخ، وربما نيل من عرض صاحبًا، وأنحى باللائمة عليه من أجلها، وهو قلم لا يقصد إلا الخير، ولا أراد إلا الرشاد، وقد يؤتي الإنسان من حيث لا يعلم، ويرمى من حيث لا يتقي، كما يؤتى من حيث لا يحتسب، وينجو وقد اشفى، ويدرك وقد غلب الناس.
وعاد في آخر الرسالة يعتذر عن طولها: قد تكرر اعتذاري من طول هذه الرسالة، وكان ظني في أولها أنها تكون لطيفة خفيفة، يسهل انتساخها وقراءتها، فماجت بشجوع الحديث، وروادف من الطيب والخبيث، فاقبل، حاطك اللّه، هذا العذر الذي قد بدأته وأعدته، ونشرته وطويته، على أنك لو علمت، في أي وقت