فهرس الكتاب

الصفحة 244 من 489

وعرض الكتاب عليه فلم يرضه، حتى امتحن الجميع فأمر صاحبه فقال: أدخل من الملك مضطر إليه محمد بن عبد الملك، فجيء به وهو واجم مضطرب. فلما وقف قال له: أكتب إلى صاحب خراسان في كذا وكذا، فأخرج من كمه نصفًا، ومن خفه دواة، وابتدأ يكتب بين يديه، حتى فرغ من الكتاب، ثم أخرج خريطة فيها حصا فأترب الكتاب وأصلحه، وتقدم فناوله إياه، فوجده قد أتي على جميع ما في نفسه، فأعجب به جدًا وقال: اختمه فأخرج من الخريطة طينًا فوضعه عليه وتناوله، فختمه وأنفذه من ساعته. فقال الواثق لخادم له: امض إلى دايتي وقل لها توجه إلي بالدرج الفلاني، فمضى الخادم فجاء به، فأخرج الرقعة فدفعها إليه فقال: يا أمير المؤمنين أنا عبد من عبيدك إن وفيت بيمينك فأنت محكم، وإن كفرت وصفحت كان أشبه بك، قال: لا والله ما يمنعني من الوفاء بيميني إلا النفاسة على أن يخلو الملك من مثلك، وأمر بعتق من حلف بعتقه، ووقف الضياع وحبس الخيل وأنفذ صدقة المال؛ وظل ابن الزيات وزيرًا للواثق كما كان في عهد أبيه. وقيل إن موضوع الكتاب الذي اقترحه الواثق عليه كان يتعلق البيعة، فكتبوا فلم يرض بما كتبوه، فكتب ابن الزيات نسخة رضيها، وأمر بتحرير المكاتبات عليها، وأن الواثق قال: عن المال والفدية عن اليمين عوض، وليس عن الملك وابن الزيات عوض.

إن السبب الذي غضب له الواثق أيام ولايته العهد، من تضييق ابن الزيات عليه ثم عفوه عنه لما أفضت إليه الخلافة، يدل على وفرة عقل الواثق. أما معاملة محمد بن عبد الملك الزيات قبل الخلافة لولي عهدها فما كانت غير محض اجتهاد، لأنه لا يريد استرسال ولي العهد في طلباته من مال الدولة بدون حساب، ويود أن يعرفه قدر المال، وأن يعدل الخليفة بين أولاده، حتى لا تتأثر أنفسهم من معاملة شاذة، لا يرون ولو في باطنهم أنها تمت إلى الإنصاف بسبب. وأدرك الواثق بعقله

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت