أخواتها، ويتعذر عليك أن تخلي المكان من لفظة لتضع غيرها محلها، وقد قال العتابي: الألفاظ أجساد والمعاني أرواح، وإنما تراها بعيون القلوب، فإذا قدمت منها مؤخرًا، أو أخرت منها مقدمًا، أفسدت الصورة وغيرت المعنى كما لو حول رأس إلى موضع يد، أو يد إلى موضع رجل لتحولت الخلقة وتغيرت الحلية، وهذا ما تراه متجليًا في كلام أبي حيان: والكلام إذا خرج في غير تكلف وكد وشدة تفكر وتعمل كان سلسًا سهلًا، وكان له ماء ورواء ورقراق، وعليه فرند لا يكون على غيره مما عسر بروزه واستكره خروجه.
ذاكر التوحيدي في العلوم المختلفة طبقة عالية من أذكياء العلماء، وكانوا في العلم جميعًا، وفي مذاهبهم شتى، فلم يجمد على نقل كلام أهل فن واحد، ولا صمت أذنه عن سماع من خالفوه في معتقده، فكان شأنه شأن عالم في عصرنا فتح بحثًا في مجلة أو كتاب يؤلفه، وأنشأ يجمع في كناشه وجزازاته أفكار المتضادين ومراميهم في العلم والتفكير، وهذا ما كان على حصة موفورة في كتب التوحيدي على ما رأينا، لخص لمعاصريه آراء المتقدمين، وخلف لمن بعده مصورًا صحيحًا من آراء من عاشرهم وعاصرهم وتقدمهم في الميلاد، فأدركنا بما أسمعناه بعض حقيقة عصره في أساليب التفكير ومبلغه من الحكمة.
ويحمد قصد التوحيدي في نقل كل مجلس كما وقع، وإن كان بعضهم لم يرقه التعرض لتدوين ما يخالف معتقدهم، أما هو فما كان له أن ينقل كل كلام يرتضيه كل إنسان، لأنه لا يحيط بأهواء جميع الناس، وتعدد الأهواء كتعدد الأناسي، وهو في طريقته طريقة كثير من المؤلفين، فكيف ينطق بلسان من لا يعتقده على صواب فيما يذهب إليه، وإذا رأى بعض المتحذلقين في كلامه بعض العهدة، فيجابون أي كلام خلا مما يتعلق عليه بشيء. إن التوحيدي لقي شيوخ العلم والحكمة فحمل عنهم، وجود وصفهم وأجمل طرازهم، وكلما نقل شيئًا لا يوافق