ومنها ما أنفذه إلى أهله وهو منهزم مع مروان من فلسطين، وهو آخر حرب ومواقعة كانت له، وكانوا ينزلون بالقرب من الرقة بموضع يعرف بالحمراء، يعزيهم عن نفسه أما فإن الله تعالى جعل الدنيا محفوفة بالكره والسرور، وجعل فيها أقسامًا مختلفة بين أهلها، فمن درت له بحلاوتها، وساعده الحظ فيها، سكن إليها، ورضي بها، وأقام عليها؛ ومن قرصته بأظفارها، وعضته بأنيابها، قلاها نافرًا عنها، وذمها ساخطًا عليها، وشكاها مستزيدًا، وقد كانت إذاقتنا أفاويق استحليناها، ثم جمحت بنا نافرة، ورمحتنا مولية، فملح عذبها، وخشن لينها، فأبعدتنا عن الأوطان، وفرقتنا عن الإخوان، فالدار نازحة، والطير بارحة. وقد كتبت والأيام تزيدنا منكم بعدًا، واليكم صبابة ووجدًا؛ فإن تتم البلية إلى أقصى مدتها يكن آخر العهد بكم وبنا، وإن يلحقنا ظفر جارح من أظفار من يليكم، نرجع إليكم بذل الإسار، والذل شر جار، نسأل الله الذي يعز من يشاء، ويذل من يشاء، أن يهب لنا ولكم ألفة جامعة، في دار آمنة، تجمع سلامة الأديان والأبدان، فإنه رب العالمين وأرحم الراحمين.
وفي رواية أنه ختم هذه الرسالة هكذا: فدارنا نازحة وطيرنا بارحة، قد أخذت كل ما أعطت، وتباعدت مثل ما تقربت، وأعقبت بالراحة نصبًا، وبالجذل هما، وبالأمن خوفًا، وبالعز ذلًا، وبالجدة حاجة، وبالسراء ضراء، وبالحياة موتًا، لا ترحم من استرحمها، سالكة بنا سبيل من لا أوبة له، منفيين عن الأولياء، مقطوعين عن الأحباء.
ومن رسائله المختصرة ما كتبه عن مروان إلى هشام، يعزيه بامرأة من حظاياه: إن الله تعالى أمتع أمير المؤمنين من أنيسته وقرينته، متاعًا مده إلى أجل مسمى، فلما تمت له مواهب الله وعاريته، قبض الله العارية، ثم أعطى الله أمير المؤمنين من الشكر عند بقائها، والصبر عند ذهابها، أنفس منها في المنقلب وأرجح في