يصلي معي، فإن اتفق فبقال أو عصار، أو نداف أو قصاب، ومن إذا وقف إلى جانبي أسدرني بصنانه، وأسكرني بنتنه. فقد أمسيت غريب الحال، غريب اللفظ، غريب النحلة، غريب الخلق، مستأنسًا بالوحشة، قانعًا بالوحدة، معتادًا للصمت، ملازمًا للحيرة، محتملًا للأذى، يائسًا من جميع من ترى، متوقعًا لما لا بد من حلوله، فشمس العمر على شفا، وماء الحياة إلى نضوب، ونجم العيش إلى أفول، وظل التلبث إلى قلوص.
قال التوحيدي بعد ذكر هذه المقدمة إن سبب إنشائه هذه الرسالة في الصداقة والصديق أنه ذكر شيئًا منها لزيد بن رفاعة أبي الخير فنماه إلى ابن سعدان الوزير أبي عبد اللّه سنة إحدى وسبعين وثلثمائة، قبل تحمله أعباء الدولة وتدبيره أمر الوزارة، حين كانت الاشتعال خفيفة، والأحوال على إذلالها جارية، فأشار عليه ابن سعدان أن يدونه، فجمع هذه الرسالة، وأبطأ عن تحريرها، فلما مر على ذلك بعض سنين عثر على المسودة وبيضها.
وقال في مكان آخر: قد أتت هذه الرسالة على حديث الصداقة والصديق، وما يتصل بالوفاق والخلاف، والهجر والصلة، والعتب والرضا، والمذاق والإخلاص، والرياء والنفاق، والحيلة والخداع، والاستقامة والالتواء، والاستكانة والاحتجاج والاعتذار. ولو أمكن لكان تأليف ذلك كله أثم مما هو عليه، وأجرى إلى الغاية في ضم الشيء إلى شكله، وحسبه في قالبه، فكان رونقه أبين، ورفقه أحسن، ولكن العذر قد تقدم. ولو أردنا أيضًا أن نجمع ما قاله كل ناظم في شعره، وكل ناثر من لفظه، لكان ذلك عسرًا بل متعذرًا، فان أنفاس الناس في هذا الباب طويلة، وما من أحد إلا وله في هذا الفن حصة، لأنه لا يخلو أحد من جار أو معامل أو حميم أو صاحب، أو رفيق أو سكن أو حبيب أو صديق أو أليف، أو قريب أو بعيد أو ولي أو خليط، كما لا يخلو أيضًا من عدو أو كاشح أو مداج أو مكاشف، أو حاسد أو