الرأي الذي دعا إلى تأليفه، والإشادة بذكره: إذا كانت الدنيا لا تنفك من حاسد باغ، ومن قائل متكلف، ومن سامع طاعن، ومن منافس مقصر، كما أنها لا تنفك من ذي السلامة مستسلم، ومن عالم متعلم، ومن عظيم الخطر، حسن المحضر، شديد المحاماة على حقوق الأدباء، قليل التسرع إلى أعراض العلماء.
والحاصل أن أبا عثمان أبدع في رسائله وكتبه وفي مقدماتها، وقد طلب إليه أحد أصدقائه أن يكتب له صفات الشارب والمشروب، وما فيهما من المدح والعيوب، وأن يميز له بين الأنبذة والخمر، وأن يقفه على حد السكر وأن يعرفه السبب الذي يرغب في شرب الأنبذة وما فيها من اجتلاب المنفعة وما يكره من نبيذ الأوعية طلب منه هذا فكتبه، فكأنه عاش حياته بين البواطي والجرار والقدور والخمارين والسكيرين والمخمورين؛ وهذا آية إبداعه وعنوان تناهيه في أدبه يحس كل شئ ويحسن وصف كل شئ.
وقال في صدر كتابه في المعلمين: أعانك الله على سورة الغضب، وعصمك من ثورة الهوى، وصرف ما أعارك من القوة إلى حب الإنصاف، ورجح في قلبك إيثار الأناة، فقد استعملت في المعلمين السفهاء، وخطل الجهلاء، ومفاحشة الأدنياء، ومجانبة سبل الحكماء، وتهكم المقتدرين، وأمن المفترين، ومن تعرض للعداوة وجدها حاضرة، ولا حاجة بك إلى تكلف ما كفيت.
كتب أبو عثمان بعض كتبه عن طلب من أصدقائه، ومنهم من ذكرت فيها أسماؤهم ومنهم من لم نعرف كما وقع له في كتاب حجج النبوة أن قال: قد أعجبني حفظك الله استهداؤك العلم وفهمك له، وشغفك بالإنصاف وميلك إليه، وتعظيمك الحق وموالاتك فيه، ورغبتك عن التقليد، وزرايتك عليه، ومواترة كتبك على بعد دارك، وتقطع أسبابك، وصبرك إلى أوان الإمكان، واتساعك عند تضايق العذر، وفهمت حفظك الله كتابك الأول وما حثثت عليه من تبادل العلم والتعاون