في حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه.
والكتاب قد يفضل صاحبه، مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: منها أن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ما بين الأمصار، وذلك أمر مستحيل في واضع الكتاب، والمتنازع في المسألة والجواب، ومناقلة اللسان وهدايته، لا تجوازون مجلس صاحبه، ومبلغ صوته، وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ويبقى أثره، ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لما حسن حظنا من الحكمة، ومنتهى تجاربنا، لما تدركه حواسنا، وتشاهده نفوسنا، لقلت المعرفة، وسقطت الهمة، وارتفعت العزيمة، وعاد الرأي عقيمًا، والخاطر فاسدًا، ولكل الحد وتبلد.
ولو لا جياد الكتب وحسنها، وبينها ومختصرها، لما تحركت همم هؤلاء لطلب العلم، ونزعت إلى الأدب، وأنفت من حال الجهل، وأن تكون في غمار الحشو، ولدخل على هؤلاء من الخلل، والمضرة من الجهل وسوء الحال، ما عسى أن لا يمكن الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير. ولذلك قال عمر رضي الله منه: تفقهوا قبل أن تسودوا. وقد نجد الرجل يطلب الآثار، وتأويل القرآن، يجالس الفقهاء خمسين عامًا، وهو ر يعد فقيها، ولا يجعل قاضيًا؛ فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو ستنين حتى تمر ببابه، فتظن أنه من بعض العمال، وبالحري أن يمر عليه من الأيام إلا اليسير، حتى يصير حاكمًا على مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان.