فهرس الكتاب

الصفحة 474 من 489

كان خلطاء ابن العميد ومنادموه من مذاهب مختلفة. فيهم مسكوية قيم خزانته وهو فيلسوف مؤرخ، وفيهم أستاذه ابن سمكة وأبو محمد هندو وكلاهما فيلسوف إلهين وفيهم أبو الحسين بن فارس أديب، وابن خلاد القاضي أديب وفقيه، وأبو الحسن العلوي، وأبو العلاء السروي شاعر وكاتب. وكان يحاضرهم ويجالسهم ويهاديهم ويكاتبهم إذا غابوا ويجاوبهم نظمًا ونثرًا؛ حتى قيل إن أحسن ما كتب ابن العميد رسائله في الإخوانيات. وكان لا ينظر في التراسل مع إخوانه إلى ما بينه وبينهم من التفاوت في المصطلح عليه من درجات المجتمع، أي أنه وزير وهم رعية، يسحب ذيله على ما يكون منهم؛ وما عدت عليه هفوة مع صديق، وما كان ممن يخرج على الصداقة، وفي نظره أن لا اعتبار في الصداقات لاختلاف الدرجات، والمشاركة في الفكر والعواطف أثمن صداقة. قالوا وكان يفتخر بالحسن بن أسحق بن محارب القمي ويقول: لو لم يخرج من بلدنا سواه لكان كافيًا.

وكانت معاني الحب متأصلة في ابن العميد، وروحه تحب، وإذا أحبت تخلص في حبها، وربما برح به، ثم إن نفسه عظيمة لا نكره ولا تبغض، والكراهة والبغض على الأكثر أثر من آثار الضعة، ولؤم الطباع، والتواء المقاصد، وكل أولئك كان الأستاذ الرئيس غنيًا عنه، لأنه يعطي ولا يتوقع من غيره العطاء، ويمنع ولا يخشى الناس أن يمنعوه، وليس له بعد هذا إلا أن يتحبب إلى الناس، ولا سيما أهل الذكر والفكر.

ألف ابن العميد، على ما بلغه من رتب المجد في دنياه، المذاكرة في فنون العلم على سنة علماء السلف وأدبائهم، واعتاد أن يفضل على خاصته وقاصديه، خصوصًا إذا لم يدلوا عليه بأدبهم في مجلسه. كان يكره من يريد أن ينفق عليه بأوه ودعواه، وكثيرًا ما يستهدف لغضب أهل هذه الطبقة، فيقدمون على هجوه، وينصرفون عنه لاعنين طاعنين، كما وقع لابن نباتة السعدي ولأبي حيان

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت