فهرس الكتاب

الصفحة 467 من 489

تهنأ العيش، لجاء التوحيدي كالجاحظ إلا قليلًا.

بيد أن اضطراب عصره، كان منه اضطراب فكره، وغفلة العظماء عن تعهده وحمايته، أدت إلى اشتغال قلبه برزقه وجرايته، فكان في ذل الفقر، وخوف القهر، طول العمر. وإذا قيل إن الجاحظ كان على دهاء لا ينكر محله، فاتقى بجربزته لذعات حساده، ومؤلمات مناظريه، وأن التوحيدي لم يعرف سياسة العلم، ولم يستكمل تعاطي الأسباب إلى الرزق، وإجراز خصل السبق، فلا تنس أن الجاحظ كان الخلفاء يرعونه ويحبونه، والوزراء يهادنونه ويحبونه، والناس يعجبون به ويمجدونه. والتوحيدي، للجهل الطارئ على الخلفاء والأمراء في عهده، يضطرب في حياته اضطراب الأرشية في الطوى البعيد، كما التفت يمنة جاءت الصدمة يسرة، وكلما قال يسرًا، قالت الأيام عسرًا، عاش في شظف من العيش، وعجف من المال، وكلب من الزمان؛ فكان الموتور المفلوك، الموجع القلب، المعذب الفؤاد. والمرء مهما أوتي من عقل سليم وأخلاق فاضلة، لا يخرج عن كونه محصول مسكنه وهوائه ومدرسته وأساتيذه وأقرانه، وعنوان ما تأثر به روحه منذ وعى على نفسه، وهو زبدة ما أخذه بالفطرة من دم أبويه، واكتنهه من اتصاله بأجداد قدماء قد لا يعرف أخبارهم، على حين أورثوه من حيث لا يشعر أخلاقهم وأطوارهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت