فهرس الكتاب

الصفحة 271 من 489

الجاحظية، وزعموا انه قال إن المعرفة طبائع؛ ونقل عنه أنه أنكر أصل الإرادة وكونها جنسًا من الأعراض، فقال إذا انتهى السهو عن الفاعل، وكان عالمًا بما يفعله، فهو المريد على التحقيق، وأما الإرادة المعتلة بفعل الغير فهو ميل النفس إليه، وزاد على ذلك إثبات الطبائع للأجسام، كما قال الطبيعيون من الفلاسفة، وأثبت لها أفعالًا مخصوصة بها، وقال بعدم استحالة الجواهر، وأن الأعراض تتبدل والجواهر لا يجوز أن تفنى، ومذهبه مذهب الفلاسفة في نفي الصفات، وفي إثبات القدر خيره وشره من العبد مذهب المعتزلة.

هذا مجمل ما يقال في مذهب أبي عثمان، أما أخلاقه ومزاجه، فما كان بالسوداوي ولا بالعصبي، وكان أميل إلى التفاؤل منه إلى التشاؤم، يرى الدنيا بعين المغتبط المحبور، لا بعين المغبظ المحنق، يبدو السرور عليه إذا خطب وإذا كتب، وتغمره الغبطة، وتعتاده الدعابة، وخفة الروح فيه جبلة، يتنادر إلى الطبقات المختلفة، يعبث بهذا، ويولع بذاك، لا تفزعه المظاهر، ولا يتوقف في إيراد النكتة؛ فطر على الوفاء لأصحابه، والثبات على ودهم وعهدهم، ولا يشفع بمن يعرف وبمن لا يعرف، لاعتقاده أن الوصاة شهادة، وصعب عليه أن يشهد الزور.

كان يحافظ على أوقاته ولا يضيع منها ما يمكن شغله بالمفيد، بعيدًا عن الفوضى بعض البعد، ويجب النظام في الجملة. إلا أنه كان لا يدخر المال إلى أيام العسرة، وإذا أتاه بنفقه لا يحسب للغد حسابًا كبيرًا، ولذلك كان يعسر أحيانًا وتعوزه النفقة، ويلوب على الناض يرتفق به. وما كان ضنينا على إخوانه، وود لو أخذ من الأغنياء بأفضل على الفقراء. ولئن نشأ من بيت وضيع، لقد كان على جانب عظيم من عزة النفس.

ما كان الجاحظ بالمتزمت ولا بالمتنسك، قام بما فرض الإسلام عليه من الفروض والواجبات، وصرف ساعات عمره فيما يرفع من شأن المسلمين، دعاهم إلى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت