فهرس الكتاب

الصفحة 344 من 489

كأن الجاحظ كان كالطائر يتنقل من شجرة إلى شجرة، ومن حديقة إلى حديقة، يلتقط الزهرة والحبة، ومن كان يظن أن الرجل الذي يؤلف في علوم الدين والجدل والرد على المخالفين، وهو في أصله إمام ديني وصاحب مذهب وعلم من أعلام الشريعة - من كان يظن أنه يؤلف في الحيوان وفي الزرع وفي الشجر والنخل، وفي كل ما يعرض له من الموضوعات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والأدبية - من كان يظن أن للجاحظ كتابًا في الأمصار وعجائب البلدان أشبه بكتاب البلدان لابن الفقيه، رآه المسعودي ووصفه بأنه في نهاية الحسن، قال: وإن كان الرجل لم يسلك البحار، ولا أكثر الأسفار ولا تقرا المالك والأمصار. نعم ما رحل الجاحظ رحلات المسعودي، واقتصر على الرحلة في أرض العراق والشام والجزيرة وفارس والروم وبلاد العرب فقط، وليس من الميسور لكل إنسان في دهره أن يطوف الأرض، فغن هذا ما كان يتيسر إلا للفرد بعد الفرد، وفي العصر بعد العصر.

وصف الجاحظ الأهواز وهواءها وتأثيرها في الطباع والأجسام، ووصف تأثير الهواء في الإنسان والحيوان في حرة بني سليم، فقال بتأثير البيئة في الكائنات الحية. فإن كان وصفه الأمصار في جغرافيته كوصفه أهل الأهواز، وهو ما نعتقده، فإنه من أحسن ما كتب في الجغرافية الإنسانية والطبيعية والوصفية. قال في الأهواز: إنها قلبت كل من نزلها من بني هاشم إلى كثير من طبائعهم وشمائلهم، ولا بد للهاشمي قبيح الوجه كان أو حسنًا، أو دميمًا كان أو بارعًا رائعًا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش وجميع العرب. فلقد كانت البلدة تنقل ذلك فتبدله. ولقد تحيفه وتدخل الضنى عليه، وتبين أثرها فيه، فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس، ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضياع الفاشية، يحبون من البنين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت