تساقوا جميعًا كؤوس المنو ... ن فمات الصديق ومات العدو
ولقد غلبت الدعابة على الجاحظ وتجلت خفة روحه وتهكمه حتى في بعض ما يكتب من أمور الجد، وقد يفهم تهكمه من أسلوب الأداء في عبارته. أليس في قول الجاحظ لما تكلم على الخنزبر فقال: لو أن الكفر والإفلاس والغدر والكذب تجسدت ثم تصورت لما زادت على قبح الخنزير، وكان ذلك بعض الأسباب التي مسخ بها الإنسان خنزيرًا، فإن القرد قبيح الوجه قبيح في كل شئ، وكفاك به جري المثل المضروب به، ولكنه من وجه آخر مليح، فملحه يعرض على قبحه فيمازجه ويصلح منه، والخنزير أقبح منه إلا أن قبحه مصمت بهيم فصار أسمج منه كثيرًا. أليس في قوله هذا شيء من التهكم وأسلوب من أساليب الهزل في الجد؟
وقال في وصف الإنسان وما أخذه من طبائع الحيوان: أو ما علمت أن الإنسان الذي خلق له ما في السماوات والأرض وما بينهما كما قال تعالى: (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا) إنما سموه العالم الصغير سليل العالم الكبير حين وجدوا فيه من جميع أشكال ما في العالم الكبير ووجدوا له الحواس الخمس، ووجدوا يأكل اللحم والحب، ويجمع بين ما يقتاته السبع والبهيمة، ووجدوا له صولة الجمل، ووثوب الأسد، وغدر الذئب، وروغان الثعلب، وجبن الصفرد. وجمع الذرة، وصنعة الزرافة، وجود الديك، وإلف الكلب، واهتداء الحمام، وربما وجدوا فيه من كل نوع من البهائم والسباع خلتين أو ثلاثًا. ولا يبلغ أن يكون جملًا بأن يكون فيه اهتداؤه وغيرته وصوله وحقده، وصبره على حمل الثقل. ولا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيأ فيه من مثل مكره وغدره واسترواحه، وتوحشه وشدة قلبه، كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض، المرة والمرتين والثلاث، ولا يبلغ بذلك المقدار أن يقال له داهية وذو مكر وصاحب خدعة كما يخطئ الرجل