فهرس الكتاب

الصفحة 401 من 489

فعليك بالصبر، ثم قلت له: هذا الذي توفي ولدك؟ قال: لا، قلت فوالدك؟ قال: لا. قلت: فأخوك؟ قال: لا. قلت: فزوجتك؟

قال: لا. فقلت وما هو منك؟ قال: حبيبتي. فقلت في نفسي هذه أول المناحس. فقلت: سبحان الله النساء كثير وستجد غيرها. فقال أتظن أني رأيتها؟ قلت: وهذه منحسة ثانية. ثم قلت: وكيف عشقت من لم تر؟ فقال: إعلم أني كنت جالسًا في هذا المكان وأنا أنظر من الطاق إذ رأيت رجلًا عليه برد وهو يقول:

يا أم عمرو جزاك الله مكرمة ... ردي علي فوادي أينما كانا

لا تأخذين فؤادي تلعبين به ... فكيف يلعب بالإنسان إنسانا

فقلت في نفسي: لولا أن أم عمرو هذه ما في الدنيا أحسن منها ما قيل هذا الشعر فعشقتها، فلما كان منذ يومين مر ذلك الرجل بعينه وهو يقول:

إذا ذهب الحمار بأم عمرو ... فلا رجعت ولا رجع الحمار

فعلمت أنها ماتت فحزنت عليها، وأغلقت المكتب وجلست في الدار.

فقلت: يا هذا إني كنت ألفت كتابًا في نوادركم معشر المعلمين، وكنت حين صاحبتك عزمت على تقطيعه والآن قد قويت عزمي على إبقائه، وأول ما أبدأ إن شاء الله تعالى.

وكان الجماز البصري شاعرًا ماجنًا خبيث اللسان، وكان له مع الجاحظ ملاحاة ومهاجاة قد يكون فيها إقذاع وإفحاش. وكان الجاحظ يعبث أيضًا بأبي هفان الشاعر وغيرهما من الشعراء والكتاب والمؤلفين والقصاصين وكل ذلك من غير تبذل وإسفاف.

ومعاني الجاحظ في هذا الباب مذكورة في كلام له، ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول عملًا اجتباه ذو عقل أو اختاره ذو علم، بأوبأ ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت