فاللعين لما أن حكم العقل على من لا يحتكم عليه العقل ، لزمه أن يجري حكم الخالق فِي الخلق ، أو حكم الخالق فِي الخالق . فالأول غلو كالحلولية وكالغلاة من الشيعة ، والثاني تقصير كالمشبهة وصفوا الخالق بصفات الأجسام ، وكالخوارج نفوا تحكيم الرجال وقالوا: لا حكم إلا لله كقوله {أأسجد لبشر خلقته من صلصال} [الحجر: 33] لا أسجد إلا لك . فالشبهات كلها ناشئة من اللعين ، وتلك فِي الأول مصدرها ، وهذه فِي الأخير مظهرها ، ولهذا قال تعالى {ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدوّ مبين} [البقرة: 208] وشبه النبي صلى الله عليه وسلم كل فرقة ضالة من هذه الأمة بأمة ضالة من الأمم السالفة فقال"القدرية مجوس هذه الأمة والمشبهة يهود هذه الأمة ، والرافضة - يعني الغلاة - نصارها"وقال صلى الله عليه وسلم:"لتسلكن سبيل الأمم قبلكم حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه"القول الثاني أن إبليس كان مؤمناً ثم كفر بعد ذلك ثم اختلفوا . فمن قائل معناه"وكان من الكافرين فِي علم الله"أي كان الله عالماً فِي الأزل بأنه سيكفر . فصيغة"كان"متعلقة بالعلم لا بالمعلوم . ومن قائل إن"كان"بمعنى"صار". وقيل: لما كفر فِي وقت معين بعد أن كان مؤمناً فبعد لحظة يصدق عليه أنه كان من الكافرين . وإنما حكم بكفره على هذا القول الثاني لاستكباره واعتقاده كونه محقاً فِي ذلك التمرد بدليل قوله {أنا خير منه} [ص: 76] وإلا فمجرد المعصية لا يوجب الكفر عندنا وإن كانت كبيرة ، وكذا عند المعتزلة لأنه وإن خرج عن الإيمان لم يدخل فِي الكفر . نعم عند الخوارج الكبيرة موجبة للكفر على الإطلاق . ثم إن قوله {من الكافرين} هل يدل على وجود جمع من الكفرة قبله حتى يكون هو واحداً منهم؟ قال قوم: إنه يدل على ذلك لأن كلمة"من"للتبعيض . وإنما يذكر البعض الموجود بالإضافة إلى كل موجود لا إلى كل من سيوجد . ومما يؤكد ذلك ما