والرابع: بيان أن الحكمة تقتضي ما يغلب خيره، فإن ترك الخير الكثير، لأجل الشر القليل، شرّ كثير، كقطع العضو الذي فيه أكلة شرّ قليل، وسلامة جميع البدن، خير كثير، فلو لم يقطع ذلك العضو، سرت تلك الآفة إلى جميع البدن، وأدّت إلى الهلاك الذي هو شرّ كثير.
{قالُوا} ؛ أي: قالت الملائكة استكشافا عما خفي عليهم من الحكمة، لا اعتراضا على الله تعالى، ولا طعنا في بني آدم على سبيل الغيبة، وهو كلام مستأنف استئنافا بيانيا، كأنه قيل: فماذا قالت الملائكة حينئذ، فقيل: قالوا:
{أَتَجْعَلُ فِيها} ؛ أي: أتجعل يا إلهنا في الأرض خليفة {مَنْ يُفْسِدُ فِيها} بالمعاصي بمقتضى القوة الشهوانية، كما أفسدت الجن، وفائدة تكرار الظرف؛ تأكيد الاستبعاد {وَيَسْفِكُ الدِّماءَ} بمقتضى القوة الغضبية؛ أي: يصبّ الدماء ظلما، كما سفك بنو الجان، فغفلوا عن مقتضى القوة العقلية التي يحصل بها الكمال والفضل، والتعبير عن القتل بسفك الدماء؛ لما أنه أقبح أنواع القتل وقرأ الجمهور: {وَيَسْفِكُ} بكسر الفاء ورفع الكاف، وقرأ أبو حيوة، وابن أبي عبلة بضم الفاء، وقرئ {وَيَسْفِكُ} من أسفك الرباعي {ويَسْفِكُ} من سفّك المشدد، وقرأ ابن هرمز {وَيَسْفِكُ} بنصب الكاف، فمن رفع الكاف عطف على يفسدوا ومن نصب، فقال المهدوي: هو نصب في جواب الاستفهام، وهو تخريج حسن.