بعد أن قضى الإنجليز على المهدية نبتت النصرانية مرة ثانية، ومكن لها الإنجليز وغيرهم من نصارى أوروبا، وأعيد بناء الكنائس في كل مدن السودان، واستمر الحال في بناء الكنائس ونشر التعليم الكنسي الذي هدفه زرع الحقد والكراهية في قلوب المنصَّرين ضد الإسلام والعرب، حتى بلغ الأمر ذروته وحقق النصارى ما لم يكونوا يحلمون به في عهد الإنقاذ، حيث زاد عدد الكنائس، وتنوعت، وأصبح عدد الكنائس العشوائية التي أقيمت في المدن والأقاليم قرابة ثلاثة أضعاف الكنائس الرسمية.
وإليك هذا الجدول الذي يبين عدد الكنائس الثابتة والعشوائية، وملحقاتها، والإمكانيات المتاحة لها، وهو من إعداد وزارة التخطيط الاجتماعي ـ إدارة شئون الكنائس.
جدول يوضح جملة إمكانيات الكنائس بولايات السودان
البنود ... الكمية والأعداد
الكنائس الثابتة ... 200
الكنائس العشوائية ... 506
المبشرين الأجانب ... 458
العربات ... 568
المنازل ... 422
المدارس والمعاهد ... 244
مراكز صحية ومستوصفات ... 113
مقر المنظمات الطوعية + تبشيرية ... 42
مراكز خدمات اجتماعية ... 124
مزارع ... 8
يقول الدكتور إبراهيم الجاك إبراهيم: (لقد ذكرت المراجع التاريخة أن النصرانية دخلت بلاد السودان منذ عهد الإمبراطور جستنيان(517 - 565 م) وزوجته ثيودورا، وكانت بلاد النوبة جسرًا عامًا لمرور الديانة النصرانية إلى وسط السودان، مما أدى إلى قيام ممالك مسيحية في شمال ووسط السودان، مثل مملكة"المقرة"في الشمال، ومملكة"علوة"في وسط السودان، لكن هاتين المملكتين لم تصمدا أمام الزحف العربي الإسلامي من مصر نحو بلاد السودان، فقد سقطت مملكة النوبة المسيحية"المقرة"في أيدي العرب المسلمين في أوائل القرن الرابع عشر الميلادي، كما سقطت مملكة"علوة"أمام التحالف الإسلامي"الفونجي العبدلابي"1504ه، وانمحت بعد ذلك الديانة النصرانية تمامًا من بلاد السودان لمدة تزيد عن ثلاثة قرون بقليل، ثم عادت النصرانية تطل برأسها من جديد في العهد التركي المصري في السودان، ولا سيما في عهد والي مصر عباس باشا (1264 - 1270ه = 1848 - 1854م) الذي شجع الأجانب للعمل في السودان، وقد تمتع النصارى واليهود من الأوروبيين والأقباط والأحباش في العهد التركي المصري بتسامح ديني كبير، إذ لم تكن الإدارة التركية المصرية تتدخل في شؤونهم الدينية، أوتحد من نشاطهم التبشيري المسيحي، بل سمحت لهم ببناء كنائسهم، حتى أصبح في كل مدينة من مدن السودان الكبرى كنيسة بجوار المسجد، ونشطت حركة التبشير بصفة خاصة في جبال النوبة وجنوب السودان، وعندما ذهب صموئيل بيكر إلى أعالي النيل وجد كنيسة للمبشرين النمساويين تقوم بتعليم أبناء جنوب السودان الدين المسيحي.
وفي عهد الخديوي إسماعيل (1863-1879م) سعت بريطانيا لتعيين عدد من البريطانيين والأوربيين في مناصب إدارية وعسكرية عليا في السودان، وعلى رأسهم غردون الذي عُين حكمدارًا للسودان عام 1877م، ومُنح سلطات مدنية وعسكرية وقضائية واسعة.
إلى أن قال:
وفي عام 1290ه/ 1872م وصلت إلى السودان دفعة جديدة من المبشرين برئاسة المطران دانيال كمبوني.. هذه الحركة التبشيرية الواسعة التي كانت تتم بموافقة حكام مصر جلبت الكراهية والبغضاء من قبل السودانيين لحكام القاهرة).
نتج عن فتح المجال من قبل الحكومة الخديوية للكفار من يهود ونصارى للعمل في السودان أن ازداد عدد المنصرين في السودان، وأسست كنائس كثيرة، وكذلك مدارس كنسية ولاهوتية، ونصِّر عدد من سكان جبال النوبة والمديريات الجنوبية، يتمثل ذلك في الآتي:
1.أصبح في كل مدينة من مدن السودان الكبرى كنيسة بجوار المسجد.
2.كانت أصوات أجراس الكنائس تعلو على أصوات الأذان بمسجد الخرطوم وغيره من المساجد.
3.فُتِح العديد من المدارس الكنسية واللاهوتية، وانتشرت مدارس المطران دانيال كمبوني في كل مدن السودان الكبرى.
4.نُصِّر عدد كبير من أبناء جبال النوبة والمديريات الجنوبية.
5.جُلبت منهم أعداد كبيرة للدراسة بالخرطوم، بلغ عددهم ألف دارس.
6.قُدِّر عدد اليهود والنصارى الأوروبيين والأقباط في العهد التركي المصري في السودان قبيل إعلان الثورة المهدية بـ1500 نسمة، منتشرين في مدن السودان المختلفة.
7.أشهر جنسيات المنصِّرين: إغريق، وشوام، وأقباط، ونمساويون، وروس، وألمان، وإيطاليون.
لكن سرعان ما قُضِيَ على ذلك بقيام دولة المهدية، وذلك بالآتي:
1.خيِّر كل الكفار بين الإسلام والهجرة عن السودان، فمنهم من أسلم ومنهم تظاهر بالإسلام وأبطن الكفر"كسلاطين"، حيث لم يكن في عهد المهدية أهل ذمة.
2.هُدِّمت كل الكنائس.
3.هُدِّمت كل المدارس الملحقة بتلك الكنائس وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية التي أسسها الأب"أيناسوكنونجُيز"الألماني، وموقعها حاليًا مبنى ولاية الخرطوم.
4.توقف النشاط الكنسي تمامًا.