روى الإمام الترمذي رحمه الله في سننه عددًا من الأحاديث في فضل صلاة التسابيح وهيئتها، ثم قال: (قد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم غير حديث في صلاة التسابيح، ولا يصح منه كبير شيء) ، والأحاديث هي:
• عن أبي رافع رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس:"يا عم صلَِّ اربع ركعات، تقرأ في كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة، فإذا انقضت القراءة، فقل: الله أكبر، والحمد لله، وسبحان الله خمس عشرة مرة قبل أن تركع، ثم اركع فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسك وقلها عشرًا، ثم اسجد فقلها عشرًا، ثم ارفع رأسك فقلها عشرًا، ثم اسجد فقلها عشرًا، ثما رفع راسك وقلها عشرًا قبل أن تقوم، فذلك خمس وسبعون في كل ركعة، وهي ثلاثمائة في أربع ركعات، ولو كانت ذنوبك مثل رَمْل عالج غفرها الله لك"، قال: يا رسول الله، ومن يستطيع أن يقولها في يوم؟ قال:"إن لم تستطع أن تقولها في يوم فقلها في جمعة، فإن لم تستطع أن تقولها في جمعة فقلها في شهر، فلم يزل يقول له حتى قال: فقلها في سنة".
• وعن أنس بن مالك أن م سليم غدت على النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: علمني كلمات أقولهن في صلاتي؛ فقال:"كبري الله عشرًا، وسبحي عشرًا، واحمديه عشرًا، ثم سلي ما شئت، يقول: نعم".
قال الترمذي: وقد روى ابن المبارك وغير واحد من أهل العلم صلاة التسبيح، وذكروا الفضل فيه:
• حدثنا أحمد بن عبدة الضبي، أخبرنا أبو وهب قال: سألت عبد الله بن المبارك عن الصلاة التي يسبح فيها؟ قال:"يكبر ثم يقول: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك، ولا إله غيرك، ثم يقول خمس عشرة مرة: سبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ثم يتعوذ ويقرأ بسم الله الرحمن الرحيم وفاتحة الكتاب وسورة، إلخ".
قال الإمام النووي رحمه الله بعد أن أورد حديث أبي رافع السابق في الأذكار:(قال الإمام أبو بكر بن العربي في كتابه الأحوذي في شرح الترمذي: حديث أبي رافع هذا ضعيف ليس له أصل في الصحة ولا في الحسن، قال: وإنما ذكره الترمذي لينبه عليه لئلا يغتر به، قال: وقول ابن المبارك ليس بحجة، هذا كلام أبي بكر بن العربي، وقال العقيلي: ليس في صلاة التسبيح حديث ثبت، وذكر أبو الفرج بن الجوزي أحاديث صلاة التسبيح وطرقها، ثم ضعفها كلها وبيَّن ضعفها، ذكره في كتابه في الموضوعات.
وبلغنا عن الإمام الحافظ أبي الحسن الدارقطني رحمه الله أنه قال: أصح شيء في فضائل السور فضل قل هو الله أحد، وأصح شيء في فضائل الصلوات فضل صلاة التسبيح، وقد ذكرت هذا الكلام مسندًا في كتاب طبقات الفقهاء في ترجمة أبي الحسن علي بن عمر الدارقطني، ولا يلزم من هذه العبارة أن يكون حديث صلاة التسبيح صحيحًا، فإنهم يقولون هذا أصح ما جاء في الباب وإن كان ضعيفًا، ومرادهم أرجحه وأقله ضعفًا).
ه . الاعتمار في ليلة النصف من شعبان
كذلك من الأمور المحدثة التي يحرص عليها البعض الاعتمار في ليلة النصف من شعبان أوفي نهاره، وليس لذلك أدنى دليل من السنة.
الحمد لله"الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا"، وصلّى الله وسلم وبارك على محمد القائل:"كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل".
فإن في تعاقب الليل والنهار، وكرِّ السنين والشهور والأيام، وتقارب الزمان، والابتلاء بالنعم والمصائب العظام، لعبرة لأولي الألباب، وذكرى لأصحاب العقول الكبار، وفي التغافل عن ذلك حسرة وندامة، وشقاوة، وغباوة.
وبعد..
فإني أود أن أذكر نفسي أولًا وإخواني المسلمين بما ينبغي علينا أن نستقبل به العام الهجري الجديد، لأن الذكرى تنفع المؤمنين، وتنبه الغافلين، وتعين الذاكرين، فأقول:
أولًا: ينبغي على المسلمين أفرادًا وجماعات، رعاة ورعية، علماء وعامة، نساءًا ورجالًا، أن يحاسبوا أنفسهم بأنفسهم حسابًا شديدًا صارمًا قبل أن يحاسبوا، وعليهم أن يزنوا أعمالهم قبل أن توزن عليهم، وليتزينوا ليوم العرض الأكبر، على ما صدر منهم في العام المنصرم والأعوام السابقة، فإن وجد المرء خيرًا فليحمد الله، وإن وجد غير ذلك فليعجل بالتوبة والإنابة قبل فوات الأوان واجتماع الحسرتين: حسرة الموت، وحسرة الفوت.
ثانيًا: تجديد التوبة الصادقة النصوح من جميع الذنوب والآثام، وعدم التواني في ذلك أوالتسويف فيها.
ثالثًا: على المسلمين أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين، شبابًا ورجالًا، الانعتاق والتحرر من الولاء لغير الله، فلا يدعوا غير الله عز وجل، ولا يستغيثوا بغير الله، ولا يصرفوا شيئًا من العبادة لغير الله، فإن فعلوا شيئًا من ذلك فقد أشركوا مع الله غيره، وعليهم أن يجددوا إيمانهم.