ما أجمل الحديث عن سيرة سلفنا الصالح، وما أجمل ذكراهم والنهم في قراءة سيرتهم، وتتبع منهجهم.. ذلك لأنهم منابر عصرنا، ونور دربنا، نهتدي بهم ونحن نمضي في طريقنا.. ولعلنا في ختام استطلاعنا نقف على بعض أخبار أولئك الأفاضل علنا نصل إلى ما وصلوا إليه، وإلا فإن التشبه بالكرام فلاح.. فلنر كيف كان حال السلف مع طلب العلم، وكيف كان الواحد منهم يسهر ليله، ويضني جسده، ويبقى وحده مستأنسًا بكتبه، مستعيضًا بها عن الأهل والأصحاب.. فلله درهم.
قيل لبعض السلف"بم أدركت العلم؟ قال بالمصباح والجلوس إلى الصباح"وقيل لآخر فقال (( بالسفر والسهر والبكور في السحر ) ).. وحكى شيخ الإسلام النووي عن شيخه الإمام الجليل أبي إسحاق المرادي قال"سمعت الشيخ عبد العظيم- رحمه الله- يقول:"كتبت بيدي تسعين مجلدة وكتبت سبعمائة جزءا"قال النووي"قال شيخنا""ولم أر ولم أسمع أحدًا أكثر اجتهادًا منه في الاشتغال، كان دائم الاشتغال في الليل والنهار"."
ولم يكن العلم في ذلك الوقت ميسرًا وسهلًا، بل لا بد من السفر وشد الرحال.. وهذا بطبيعة الحال يتبعه ترك الأهل والأولاد وتحفل التعب والمشاق روي عن الرازي ما يدهش اللب من علو همته في الرحلة لتحصيل العلم إذ قال:
"أول ما رحلت أقمت سبع سنين، ومشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ، ثم تركت العدد، وخرجت من البحرين إلى مصر ماشيًا ثم إلى الرملة ماشيًا، ثم إلى طرسوس، ولي عشرون سنة".
سأضرب في طول البلاد وعرضها *** لأطلب علمًا أو أموت غريبا
فإن تلفت نفسي فلله درها *** وإن سلمت كان الرجوع قريبا
والحقيقة أن انتشار العلم كان بفضل الله تعالى ثم بجهد وتعب هؤلاء الرجال الأفذاذ ولعل ذكر الجزء يغني عن ذكر الكل ولو ذكرناه لطال بنا المقام.
ويمتد الخير إلى زمننا، ولا نعدم فيه أصحاب الهمم العالية، رجالًا كانوا أو نساء.. ولنأخذ على ذلك مثالًا من زمننا حيث امتدت زيارتنا إلى إحدى دور القرآن"دار الصالحات"وفيها التقينا بأم الوليد (40 سنة) التي تبقى لها على ختم القرآن بأكمله جزءا واحد فقط،.. وكان لنا معها هذا الحوار:
ما هي الأسباب التي أعانتك على حفظ القرآن وفقك الله ونحن نعلم أن لديك عددًا من الأولاد الصغار المتقاربين في السن كما أنك ربة منزل، ولاتوجد لديك خادمة؟
أولًا لا بد من وجود الرغبة الصادقة مع الاستعانة بالله تعالى وطلب توفيقه، ثم إن المواظبة على الحضور عامل مهم ومساعد في الحفظ مع تنظيم الوقت والمدارسة وأسأل المولى أن يعيننا على العمل به إنه ولي ذلك والقادر عليه.
تتفاوت الهمم يا أم الوليد بين البشر فما هي نصيحتك لمن همته لا تتعدى مصلحة نفسه فقط؟
-النصيحة له هي أن هذه الدنيا زائلة لا محالة ، وأنها لا تساوي شيئًا فلماذا التكالب عليها والغرق في ملذاتها ؟ ولو فكر الإنسان بعقله سوف يعلم أن هناك أمورا يجب عليه أن يفيد منها ويحفل بها ما دام يعيش فسحة العمر والذي يرى في نفسه ذلك لا بد أن يرفع من مستواه وذلك ليس عيبًا ، بل العيب أن نبقى كما نحن .
مجلة الدعوة - العدد 1734 - 17 ذو الحجة هـ - 23 مارس 2000 م
أنت .. والتربية .. والمناهج وراء دنو الهمةإعداد: أمل الذييب
حتى لا تعيش أبد الدهر بين الحفر !
تحقيق أسماء بنت صالح
رسالة مهداة إلى الشعب العراقي المجاهد
تأليف/د. وسيم فتح الله
الحمد لله منزل الكتاب، مجري السحاب، هازم الأحزاب، والصلاة والسلام على نبينا محمد قائد المجاهدين وإمام الغر المحجلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد؛
فإن سحب التضليل وغمامات الفتن لا تبرح تشوش على المسلم فكره وبصيرته بغية فتنته عن دينه، ولا يزال الحق نورًا ساطعًا يبدد هذه الغمام ويقشع تلك السحب، ولكن لا بد لنور الحق من منابر يرتقيها وقراطيس يُسطر عليها كما لا بد له من صدورٍ تحمل الحق وأجسادٍ تفنى في سبيل الله على بينة.
ولما تولى كِبر فتنة المسلمين عن دينهم اليوم كيانٌ مسخ حقود تلبَّس بمائة لبوس ولبوسٍ ليوهم ويضلل ويفتن المسلمين عن الحق، كان لزامًا علينا معاشر المسلمين أن نفضح هذا الكيان ولو عن طريق تقرير البدهيات، ولكنه تقرير مؤصلٌ بثوابت الشرع ومؤطرٌ بأطر الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيلٌ من عزيز حميد.