فهرس الكتاب

الصفحة 357 من 1363

الاستخارة هي الطريقة الوحيدة لمن تردد في مصلحة أومضرة أمر من الأمور، ولم يستبن له رجحان أحدهما على الآخر، أما ما يفعله بعض الناس مما يعرف"بالخيرة"، بأن يرقد له بعض المشايخ بالخيرة، أويطلب من بعضهم أن"يفتح له الكتاب"، فهذا العمل ليس له أصل في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يُؤثر عن علم من أعلام المسلمين المقتدى بهم، وإنما هو من جرب بعض المشعوذين، فينبغي للمسلم أن لا يفعله، ولا يعتقد فيه، وهو من باب الكهانة، وقد نهينا عن إتيان الكهان:"من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد"، كما أخبر الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم.

واعلم أخي الكريم أن الخير كل الخير في الاتباع، والشر كل الشر في الابتداع في الدين ما لم ينزل به سلطانًا، ورحم الله مالكًا حيث كان كثيرًا ما ينشد:

وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

اللهم خر لنا واختر لنا، ورضِّنا بما قسمت لنا.

"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم"

واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون""

وقال صلى الله عليه وسلم:"من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"- أهل السنن

استنكر واستهجن المؤمنون الأخيار الأغيار كلام شيخ الأزهر بحضرة المسؤول الفرنسي الكافر قبل أيام، استنكارًا واستهجانًا شديدين، القاضي بعدم وجوب الحجاب على المسلمات المقيمات في فرنسا وغيرها من ديار الكفر بحجة أن قوانين تلك البلاد لا تسمح بذلك، وهي قوانين هوائية تعدَّل حسب الأهواء والمصالح.

وبادئ ذي بدء نقول: إن مثل هذه الفتاوى المشبوهة المشؤومة لا تحل حرامًا ولا تحرم حلالًا، إلا أنها تعطي الكفار مستندًا غير شرعي يرفعونه في وجوه الملتزمين هناك، وتباعد بين قائلها وبين الأخيار، ومن فضل الله على هذه الأمة أنها لا تجتمع على ضلال، فقد اعترض على كلام شيخ الأزهر جل المشايخ الحاضرين، واستنكروا وصرحوا بذلك جزاهم الله خيرًا، وذلك لأن الحجاب واجب على المسلمة سواء كانت في دار الإسلام أودار الكفر، بل وجوبه عليها في دار الكفر أكبر، للتفسق، والتحلل، والإباحية، والبهيمية التي يتمتع بها أهل تلك البلاد، فهم كالأنعام بل هم أضل.

ومما يجب التنبيه إليه والتحذير منه أن العيش في بلاد الكفر لا يحل إلا لمضطر لم يجد بلدًا من بلاد المسلمين يأويه، وأن الهجرة لا تحل إليها، بل يجب على المسلمين فيها أن يهاجروا إلى بلاد الإسلام إن وجدوا إلى ذلك سبيلًا، ومما يؤسف له أن البلاد الإسلامية لا تسمح بهجرة كثير من هؤلاء إليها، بينما يسمح لهم الكفار ويرحبون بهم، ولا فرق في ذلك لمن هدفه الدعوة أوالدنيا.

هذه الفتوى الخاطئة الخاسرة إما أن تكون صدرت من شيخ الأزهر نتيجة جهل، وفي هذه الحال نقول له كما قال عمر لمن هو خير من ملء الأرض منه، الصحابي البدري قدَامَة بن مظعون رضي الله عنه، عندما أخطأ في تأويل قوله تعالى:"ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا.."الآية، فظن أن الخمر حلال له:"أخطأت إستُك الحفرة"، ثم أمر الحاضرين من الصحابة أن يردوا عليه خطأه، فلا تستغرب وتستنكر أخي الكريم هذه المقولة، فقد قالها من هو خير مني لمن هو خير من شيخ الأزهر كما قلت.

أوصدرت نتيجة هوى ومجاملة للزائر الكافر، فنقول له ونبشره بما قاله وبشر به الرسول صلى الله عليه وسلم من يسلكون هذا المسلك:"من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار يوم القيامة"الحديث، أوكما قال، ونبشره كذلك بما بشر به ربنا أحبار السوء الكاتمين للحق:"وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنًا قليلًا فبئس ما يشترون".

ولله در عبد الله بن المبارك العالم المجاهد حين قال:

وهل افسد الدينَ إلا الملوكُ وأحبارُ سوء ورهبانُها؟!

ففساد الدين بسبب هذه الأصناف الثلاثة: الحكام الظلمة، وعلماء السوء، والعُبَّاد الضالين المبتدعين.

ونذكِّر كذلك شيخ الأزهر أن هذه الفتوى لن تضر إلا قائلها، ونقول له على لسان الفتيات والنساء المتحجبات في تلك الديار لمن يعتقد أن مثل هذه الفتاوى تحول دون الحجاب الذي أمرنا به ربنا ورسولنا، والتزمت به أمهات المؤمنين، والصحابيات، وجميع المسلمات الصالحات:"امصص بظر اللات"، ولا تستنكر هذه المقولة كذلك أخي القارئ، فقد قالها أبو بكر الصديق، وهو خير مني، لعروة بن مسعود وهو خير من شيخ الأزهر، عندما اتهم عروةُ الصحابة بأنهم سيفرون من رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتركونه في الحديبية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت