فهرس الكتاب

الصفحة 402 من 1363

وأنت أخي الشاب، لا تأمن مكر الله، ولاتأمن الموت، ولا تظنن أنك في أمان منه، فقد يموت الصغير، ويعمر الشيخ الكبير، ويهلك الصحيح، ويصحُّ المريض؛ فكم من صغير دفنتَ، وشاب وشابة واريتَ؟ وكم من عروس قبرتَ؟ وشيخ عجوز عاصرتَ؟ فقد مات أبناء وبنات رسول الله صلى الله عليه وسلم كلهم قبله إلا فاطمة، ومات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز قبله، هذا على سبيل المثال لا الحصر.

ولله در الإمام أبي إسحاق الألبيري، حيث قال يعظ ابنه أبا بكر، ويحثه ويحضه على طلب العلم، والاستعداد للدار الآخرة، في قصيدته التي مطلعها:

تفتُّ فؤادك الأيامُ فتا وتنحتُ جسمك الساعات نحتًا

وتدعوك المنونُ دعاء صدق ألا يا صاح أنتَ، أريد أنتَ

قال مذكرًا ابنه أن الموت ليس قاصرًا على الكبار دون الصغار:

ولا تقل الصبا فيه امتهال وفكر كم صغيرًا قد دفنتَ

كان آخر خطبة خطبها العبد الصالح، والإمام العادل، والخليفة الراشد، عمر بن عبد العزيز رحمه الله، أن قال فيها: (إنكم لم تُخلقوا عبثًا، ولن تتركوا سدى، وإن لكم معادًا ينزل الله فيه للفصل بين عباده، فقد خاب وخسر من خرج من رحمة الله التي وسعت كل شيء، وحرم جنة عرضها السموات والأرض، ألا ترون أنكم في أسلاب الهالكين، وسيرثها بعدكم الباقون، كذلك حتى ترد إلى خير الوارثين، وفي كل يوم تشيعون غاديًا ورائحًا إلى الله، قد قضى نحبه، وانقضى أجله، فتودعونه، وتدعونه في صدع من الأرض، غير موسد ولا ممهد، قد خلع الأسباب، وفارق الأحباب، وسكن التراب، وواجه الحساب، غنيًا عما خلف، فقيرًا عما أسلف، فاتقوا الله عباد الله قبل نزول الموت، وانقضاء مواقيته، وإني لأقول لكم هذه المقالة، وما أعلم عند أحد من الذنوب أكثر مما أعلم عندي، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه؛ ثم رفع طرف ردائه، وبكى حتى شهق، ثم نزل، فما عاد إلى المنبر بعدها حتى مات رحمة الله عليه) .

فالحذر الحذر أخي الكريم من الغفلة وطول الأمل، وحب الدنيا، وكراهية الموت، فهذه أدواء مضلة، وأمراض مذلة، وأماني مخلة.

فالعاقل من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني، واعلم أن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل، واحرص أن لا يكون يقينك بوعد الله وبالمغيبات شبيهًا بالشك، سيما الموت.

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله:"لم أر يقينًا أشبه بالشك كيقين الناس بالموت، موقنون أنه حق، ولكن لا يعملون له"؛ فمن كد وجد، ومن زرع حصد، ومن اجتهد نجح، ومن عمل أفلح.

واعلم أن دوام الحال من المحال، فاليوم في الدور وغدًا في القبور، واتق ليلة فجرها يوم القيامة، واعمل لدار السلامة، ولا تعجز فتكون في دار الندامة، فيس هناك إلا داران.

قال القحطاني رحمه الله في نونيته:

يوم القيامة لو علمتَ بهوله لفررتَ من أهل ومن أوطان

يومٌ تشققت السماءُ لهوله تشيب فيه مفارقُ الولدان

يوم عبوسٌ قمطريرٌ شرُّه في الخلق منتشرعظيم الشان

والجنة العليا و نار جهنم داران للخصمين دائمتان

يوم يجيء فيه المجرمون إلى لظى يتلمظون تلمظ العطشان

فكن أخي الكريم من الكيسين، عباد الله الفطنين، ولا تكن من المغرورين المخدوعين:

إن لله عبادًا فطنًا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحي وطنًا

جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنًا

أقول كل هذا ولا أعلم أحدًا عنده من الذنوب، وعليه من الوزر، ويحمل من التقصير، والتفريط، والتسويف أكثر مني، ولكن أستغفر الله وأتوب إليه، فإنه أهل التقوى وأهل المغفرة.

وأخيرًا أقول كفى بالقرآن مذكرًا، وبالرسول صلى الله عليه وسلم مبشرًا ومنذرًا، وبالموت واعظًا، وبالدهر مفرقًا.

اللهم يسرنا لليسرى، وانفعنا بالذكرى، واجعلنا ممن يخشاك في السر والنجوى، وممن يتقيك حق التقوى، وممن ختمتَ له بالحسنى، وجعلتَ عاقبته الفردوس الأعلى، وألحقت بهم أزواجهم، وذرياتهم، وذويهم، وأحبابهم، في الجنات العلى، وصلى الله وسلم وبارك على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، محمد، وعلى آله وصحبه السادات النجباء، والأكارم الفضلاء، ما أقلت أرض وأظلت سماء.

لكل منا همة تسكن قلبه.. وتيسر دربه.. ويخطط على منوالها مستقبله، والهمم تتفاوت بين البشر، فشتان بين همة في الثرى وأخرى في الثريا، وعلو الهمة مبتغى كل إنسان ناجح يتطلع إلى حياة أفضل، بيد أن شروطها هنا يراد بها وجه الله تعالى، وأن تكون عونا على البذل والعطاء لهذا الدين إذن نحن لا نقصد علو الهمة لذاته.. فذلك يتساوى فيه الكافر والمسلم لا فرق بينهما.. بل نحن نبحث عن التميز الذي ميزنا به ديننا لذا أين نصرف همتنا وكيف؟!! وحتى لا نطيل فلندخل إلى الموضوع مباشرة:

لماذا نريد أن تعلو الهمم ؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت