وقد يقول بعض الإخوان: هل يدخل هذا العمل في قضية التجسس؟ أقول: هذا شيء آخر، يعني فنحن -مثلًا- الأفراد الآخرين الذين ليس من مهمتنا أن نتتبع بعض المجرمين، أو أن نتتبع بعض القضايا فنحن يجب علينا وجوبًا عينيًا أن ننكر المنكر الظاهر بقدر الاستطاعة، وكل من رأى منكرًا ينكره إما باليد وإما باللسان وإما بالقلب، لكن من كان عمله وشأنه أن يتتبع الخمور أو المخدرات أو بيوت الدعارة أو غير ذلك، فهذا يجب عليه أن يتتبعها، ويجب عليه أن يتعاون هو مع من يعينه على تتبعها؛ لأن هذا شأنه، وهذا واجبه، وبلا شك أن المسئولية على الجميع، وأن الواجب مشترك على الجميع، وأنه لا بد من التعاون، وهذا ما أمر الله تعالى به وما يجب علينا جميعًا، ولكن العبء الأكبر إنما هو على المسئول الأصلي، وهو رجل الأمن أو رجل الهيئة أو ما أشبه ذلك.
الرجاء
لم أخطط للحديث عن الرجاء عندما كتبت عن الخوف ، إلا أنني وجدت بعد الانتهاء من الكتابة أن الحديث عن الخوف لا يستكمل بنوده إذا لم يبحث موضوع الرجاء ، وذلك خشية الوقوع في التعسير الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: ( يسروا ولا تعسروا، وبشروا ولا تنفروا ) ، رواه البخاري .
كما أن الخوف من الله عز وجل ورجاء ورحمته أمران متلازمان في عدة نواح منها:
1-اسم الرجاء غالبًا ما يرد مقرونًا بالخوف أو بأحد معانيه ، وهذا القِران ورد في القرآن الكريم بقوله تعالى: { أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيّهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إنّ عذاب ربك كان محذورًا } الإسراء ، 57.
كما ورد أيضًا في السنة الشريفة ، حيث ذُكر أنه دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على شاب وهو في سياق الموت ، ( فقال:"كيف تجدك ؟"فقال: أرجو الله يا رسول الله وأخاف ذنوبي. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يجتمعان في قلب عبد ، في مثل هذا الموطن ، إلا أعطاه الله ما يرجو وآمنه مما يخاف") رواه ابن ماجه .
2-اسم الرجاء قد يطلق في بعض الأحيان ويُراد به الخوف كما ورد في قوله تعالى: {ما لكم لا ترجون لله وقارًا } نوح ، 13. أي لا تخافون لله عظمة .
ولهذا لم يفرق الحارث المحاسبي في تعريفه للرجاء بينه وبين الخوف فكان مما قال: الرجاء هو"أن ترجو قبول الأعمال ، وجزيل الثواب عليها ، وتخاف مع ذلك أن يرد عليك عملك ، أو يكون قد دخلته آفة أفسدته عليه".
معنى الرجاء ودلائله
جاء في معنى الرجاء أنه:"حسن الظن بالله تعالى في قبول طاعة وُفِّقت لها أو مغفرة سيئة تُبت منها".
ومن هذا التعريف يمكن الاستنتاج أن رجاء رحمة الله لا يكون مع ترك الطاعات وعدم الالتزام بالنواهي ، فإن هذا يسمى اغترارًا والله تعالى يقول: { يا أيها الناس } ، فاطر إن وعد الله حق فلا تغرنَّكم الحياة الدنيا ولا يغرنّكم بالله الغرور 5.
كما أن الله سبحانه وتعالى سمى من يقوم بهذا الفعل بالخَلف ، والخَلف اسمٌ يطلق على الرديء من الناس ، قال تعالى: { فخلف من بعدهم خَلفٌ ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا وإن يأتهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا يعقلون } ، الأعراف ، 169.
أما دلائل وجوب رجاء رحمة الله عز وجل فقد وردت في القرآن والسُّنة وأحاديث الصحابة والصالحين ، قال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعًا إنه هو الغفور الرحيم } ، الزمر ، 53 .
وقد ذم الله عز وجل اليأس والقنوط من رحمته فقال تعالى: { إنه لا ييئس من روح الله إلا القوم الكافرون } ، يوسف 87.
وقد جاء في أخبار النبي يعقوب عليه السلام"أن الله تعالى أوحى إليه: أتدري لم فرقت بينك وبين يوسف عليه السلام هذه المدة ؟ قال: لا ، قال لقولك لاخوته: { أخاف أن يأكله الذئب وأنتم غافلون } لم خِفت الذئب عليه ولم ترجني له ، ولم نظرت إلى غفلة اخوته ولم تنظر إلى حفظي له ؟ ومِن سِبْقِ عنايتي بك أني جعلت نفسي عندك أرحم الراحمين فرجوتني ، ولولا ذلك لكنت أجعل نفسي عندك أبخل الباخلين".
أما أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاءت لتؤكد على سعة رحمة الله عز وجل، فقال عليه الصلاة والسلام: ( لما خلق الله الخلق كتب ، وهو يكتب على نفسه وهو وضعٌ عنده على العرش إن رحمتي تغلب غضبي ) ، رواه البخاري .
وقال عليه الصلاة والسلام: ( جعل الله الرحمة في مائة جزء ، فأمسك عنده تسعة وتسعين جزءًا ، وأنزل في الأرض جزءًا واحدًا ، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلق ، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه ) ، رواه البخاري .