وإن الصبي إذا أهمل من ابتداء نشأته خرج في الأغلب رديء الأخلاق ، كذَّابًا ، حسودًا، سروقًا ، نمَّامًا ، لحوحًا ، ذا فضول ، وضحك، وكِياد ، ومجانة ـ أي من المجون ـ وإنما يُحفظ عن جميع ذلك بحسن التأديب ، ثم يُشغل في المكتب ؛ فيتعلَّم القرآن ، وأحاديث الأخبار، وحكايات الأبرار وأحوالهم ، ليغرس في نفسه حب الصالحين . ويحفظ من الشعر والنثر الأدبي ما يقوِّم لسانه ، ويجعله محبًا للغة العربيَّة وعاشقها .
قال: فإذا ظهر على الصبي خُلقٌ جميل وفعلٌ محمود ، فينبغي أن يكرَّم عليه ـ يجب أن تثني على ابنك إذا رأيت منه خُلقًا حميدًا ؛ أمانةً ، وفاءً ، صدقًا ـ ويجازى عليه لما يفرح به ، وأن يُمدح بين أظهر الناس ، فإن خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة فينبغي أن يتغافل عنه ـ غلط غلطة ننتقده انتقادًا صارخًا أمام الناس على غلطة واحدة ، لا فهذا لا ينبغي أن نفعله وكما جاء في وصية الغزالي: فإذا خالف ذلك في بعض الأحوال مرَّةً واحدة فينبغي أن نتغافل عنه ـ وأن لا نهتك ستره ، وألا نكاشفه ، ولا يظهر له أنه يتصور أن يتجاسر على أحدٍ مثله ـ أي أن التغافل على أخطاء قليلة حكمةٌ تربويَّة ، أما إذا عاد ثانيةً يُعاتب عتابًا رقيقًا فيما بينك وبينه ، ويقال له: إياك أن تعود إلى ذلك مرَّةً ثانية ـ
قال: وليكون الأب حافظًا مع ابنه هيبة الكلام ، فلا يوبِّخه إلا أحيانًا، والأم تخوِّفه بالأب وتزجره عن القبائح ، قال: وينبغي أن يمنع الابن من النوم نهارًا فإنه يورِّث الكسل ، وألا يمنع منه ليلًا ، ولكن يُمنع الفُرش الوطيئة حتى تتصلَّب أعضاؤه ـ الفرش الوثيرة المريحة هذه تعوِّده النوم ـ وينبغي أن يمنع من كل فعلٍ يفعله خفيةً ، فإنه لا يخفيه إلا وهو يعتقد أنه قبيح ، فإذا تعوَّد ترك فعل القبيح فقد تعوَّد شيئًا طيبًا ، ويعوَّد في بعض النهار المشي ، والحركة ، والرياضة حتى لا يغلب عليه الكسل ، ويعوِّد ألا يكشف أطرافه وألا يسرع في المشي ، وألا يرخي يديه بل يضمهما إلى صدره .
ويُمنع أن يفتخر على أقرانه بشيءٍ مما يملكه أبوه ـ أبي كذا ، أبي عنده ، بيته ، سيارته، حاجته ـ أو بشيءٍ من مطاعمه ، وملابسه ، أو أدواته ، بل يعود التواضع والإكرام لكل من عاشره . ويُمنع أن يأخذ من الصبيان شيئًا بطريق الحيلة ، بل يعلم أن الرفعة في الإعطاء والدناءة في الأخذ ، وإن كان الأخذ من أولاد الأغنياء لؤمٌ وخسَّة ، فإن الأخذ من أولاد الفقراء يعلِّم الطمع ، والمهانة ، والذِلَّة ـ على الحالتين ـ وأن يُقبَّح عند الصبيان حب الذهب والفضَّة والطمع فيهما .
ويعوَّد ألا يبصق في مجلسه ، وألا يتمخَّط ، ولا يتثاءب بحضرة غيره ، وألا يستدبر غيره ، وألا يضع رجلًا فوق رجل ، وألا يضع كفَّه تحت ذقنه ، ولا يعتمد رأسه في ساعده فإن هذا دليل الكسل ، ويعلِّم كيفية الجلوس ويمنع كثرة الكلام ، ويمنع أن يبتدئ بالكلام ، ويعلَّم ألا يتكلَّم إلا جوابًا وبقدر السؤال ، ويعلَّم حسن الاستماع ممن هو أكبر منه سنًا ، وأن يقوم لمن هو أكبر منه سنًا ، ويوسِع له في المكان ، ويُمنع من لغو الكلام والفُحش ، ومن اللعن والسب ، ومن مخالطة من يجري على لسانه شيءٌ من ذلك .
وإذا ضربه المعلِّم ينبغي ألا يكثر الصُراخ والشَغَب ـ هذه الزعبرةـ ولا يستشفع بأحد بل يصبر ، وينبغي أن يعلَّم طاعة والديه ، ومعلِّمه ، ومؤدِّبه ، وكل من هو أكبر منه سنًا من قريبٍ أو أجنبيٍ ، وأن ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم ، وأن يترك اللعب بين أيديهم .
هذا فصل ورد في إحياء علوم الدين عن رياضة الصبيان ـ تأديب الصبيان ـ وهو فصلٌ تربويٌ مهمٌ جدًا إذا أخذ الأب به ، وإذا طبَّقه بقدر إمكانه ولكن الظروف صعبةٌ جدًا ، أي قبل أن تستطيع أن تؤثِّر بابنك هناك ألف مؤثِّرٍ آخر ، كما قال الله عزَّ وجل:
(سورة الروم: من آية 41 )
فأرجو أن يكون هذا الكلام واقعيًا ، لكن قبل سنواتٍ طويلة ، قبل مئات السنين كان الجو جوًا صحيًا ، والأخلاق هي السائدة ، والحكمة هي المسيطرة .
وفي درسٍ آخر إن شاء الله هناك واجباتٌ كثيرة هي على الآباء تجاه أبنائهم ؛ تعليم القرآن، وتعليم السباحة ، والرماية ، وركوب الخيل ، والخِتان ، والأذان في أذنه ، وتحنيكه ، والعقيقة .
أشياء كثيرة إن شاء الله نأخذها في الدرس القادم تتميمًا لموضوع حقوق الأبناء على الآباء:
"ورحم الله والدًا أعان ولده على برِّه"
والحمد لله رب العالمين
للدكتور عباس محجوب
أستاذ مساعد بكلية الدعوة بالجامعة