فهرس الكتاب

الصفحة 496 من 1363

قلت: هل كان للتابعي الجليل، والعالم الكبير، عطاء بن أبي رباح، وهو مولى، أسود شديد السواد، أعور، أفطس، أشل، أعرج، ليس في رأسه شعر إلا شعرات، وقطعت يده مع ابن الزبير، ثم عمي، أن يسود، وأن يكون مفتي أهل مكة أكثر من عشرين سنة، سيما في المناسك، ويقول ابن عباس لأهل مكة: تجتمعون عليَّ وعندكم عطاء؟ وكان في زمان بني أمية يأمرون في الحج مناديًا يصيح: لا يفتي الناس إلا عطاء بن أبي رباح، فإن لم يكن عطاء فعبد الله بن أبي نجيح، إلا بالعلم والتقوى والورع؟!

قال رحمه الله: لو ائتمنت على بيت مال لكنتُ أمينًا، ولا آمن نفسي على أمة شوهاء.

وكذلك ما كان لابن أبي أبزى، ولأبي العالية، ولمحمد بن عبد الرحمن الأوقص، وغيرهم كثير أن يتصدروا الناس، ويؤموهم، ويسودوهم إلا بالعلم والتقوى.

ورحم الله الزهري عندما قال لعبد الملك رادًا على تعجبه من سيادة الموالي على الأمصار بالعلم: يا أمير المؤمنين، إنما هو دين، من حفظه ساد، ومن ضيعه سقط.

ولله در الفقيه الأديب، والعالم الحكيم، أبي إسحاق الألبيري ، عندما قال حاضًا ومشجعًا ابنه أبا بكر على طلب العلم والاشتغال به، في قصيدته التي مطلعها:

تفت فؤادك الأيام فتًا وتنحت جسمك الساعات نحتًا

وتدعوك المنون دعاء صدق ألا يا صاح أنت أريد أنتا

قال رحمه الله:

أبا بكر دعوتك لو أجبتا إلى ما فيه حظك لو عقلتا

إلى علم تكون به إمامًا مطاعًا إن نهيتَ وإن أمرتا

ويجلو بعينك من غشاها ويهديك الطريق إذا ضللتا

وتحمل منه في ناديك تاجًا ويكسوك الجمال إذا عريتا

ينالك نفعه ما دمت حيًا ويبقى ذكره لك إن ذهبت

هو العضب المهند ليس ينبو تصيب به مقاتل من أردتا

وكنز لا تخاف عليه لصًا خفيف الحمل يوجد حيث كنتا

يزيد بكثرة الإنفاق منه وينقص إن به كفًا شددتا

فلو قد ذقت من حلواه طعمًا لآثرت التعلم واجتهدتا

ولم يشغلك عنه هوى مطاع ولا دنيا بزخرفها فتنتا

ولا ألهاك عنه أنيق روض ولا خدر بزينتها فتنتا

فقوت الروح أرواح المعاني وليس بأن طعمت ولا شربتا

فواظبه وخذ بالجد فيه فإن أعطاكه الله انتفعتا

وإن أعطيت فيه طول باع وقال الناس إنك قد علمتا

فلا تأمن سؤال الله عنه بتوبيخ: علمتَ فهل عملتا؟!

فرأس العلم تقوى الله حقًا وليس بأن يقال لقد رؤستا

عليكم أيها الكبار والصغار بطلب العلم الشرعي، فطلب العلم ليس له عمر محدد، ولكن يتأكد طلبه للصغار والشباب، وعليك أخي المسلم أن تبدأ بالأهم ثم المهم، فما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، فالعلم منه ما هو فرض، فإذا بلغ المسلم وجب عليه أن يتعلم كيف يتوضأ، ويغتسل، ويصلي، فإذا دخل رمضان وجب عليه تعلم أحكام الصيام، وهكذا.

ومن أوجب الواجبات تعلم العقيدة الصحيحة لمن تيسرت له.

وعليك أن تتلقى العلم من المشايخ، وأن تحرص على حضور الدروس التي تنعقد في المساجد، وأن تبدأ بصغار العلم قبل كباره، وبالكتب الميسرة، ثم تتدرج فيها.

واعلم أن هذا العلم دين، فانظر عمن تأخذ وتتلقى هذا العلم.

واحذر كذلك أن تشغلك دراستك النظامية عن تحصيل العلم الشرعي، ولا يخدعنك الشيطان بأنك ستتعلم العلم الشرعي بعد التخرج، فهذا من تلبيس إبليس وبعض الأهل.

اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا، ودعوة مستجابة، ونعوذ بك اللهم من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ونفس لا تشبع، وعين لا تدمع.

ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إمامًا، وصلى الله وسلم على معلم البشرية، وهاديها إلى الطريق السوية، وعلى صحابته، والتابعين لهم بإحسان، ما تعاقب الليل والنهار، وما ناح قمري على الأغصان.

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين

أما بعد. . .

فغير خاف على من له علم ومعرفة بدين الإسلام أن للعلماء من رفيع المنزلة وعلو المكانة وسبق الفضل ما لا يزاحمهم فيه غيرهم من أصناف الناس. ففضائلهم في الكتاب والسنة مشهورة ومناقبهم فيهما منشورة، فهم الواسطة بين الله وبين عباده في تبليغ الشريعة والدلالة عليه جل وعلا. قال سفيان بن عيينة: أرفع الناس منزلة من كان بين الله وبين عباده، وهم الأنبياء والعلماء. فالعلماء خلفاء الرسل في أممهم ووارثوهم في علمهم يحتاج إليهم الصغير والكبير والذكر والأنثى والحاكم والمحكوم. فالواجب عليهم عظيم بقدر ما تبوؤوه في الأمة من المكانة والمنزلة. فبصلاحهم وقيامهم بما فرض الله عليهم من النصح والبيان يصلح معاش الناس ومعادهم. ولهذا قيل: إن زلة العالم كالسفينة تغرق ويغرق معها خلق كثير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت