فهرس الكتاب

الصفحة 393 من 1363

قال الحافظ ابن الجوز رحمه الله في"تلبيس إبليس"له بعد أن قال:(فهذا كله كلام الحارث المحاسبي، ذكره أبوحامد وشيده وقواه بحديث ثعلبة... وما ذكره من حديث كعب وأبي ذر فمحال من وضع الجهال، وخفاء صحته عنه ألحقه بالقوم، وقد روي بعض هذا وإن كانت طريقه لا تثبت، وإسناده عن مالك بن عبد الله الزيادي عن أبي ذر أنه جاء يستأذن عثمان فأذن له وبيده عصا، فقال عثمان: يا كعب، إن عبد الرحمن توفي وترك مالًا فما ترى فيه؟ فقال: إن كان يصل فيه حق الله تعالى فلا بأس به؛ فرفع أبو ذر عصاه فضرب كعبًا، وقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما أحب أن لي هذا الجبل ذهبًا أنفقه ويتقبل مني، أذر خلفي ست أواقي؛ أنشدك الله يا عثمان أسمعت هذا؟ ثلاث مرات، قال: نعم.

قال ابن الجوزي: وهذا حديث لا يثبت، وابن لهيعة مطعون فيه، قال يحيى: لا يحتج بحديثه، والصحيح في التاريخ أن أبا ذر توفي سنة 25هـ، وعبد الرحمن توفي سنة 32هـ، فقد عاش بعد أبي ذر سبع سنين، ثم لفظ ما ذكروه من حديثهم يدل على أن حديثهم موضوع، ثم كيف تقول الصحابة رضي الله عنهم: إنا نخاف على عبد الرحمن؟ أوليس الإجماع منعقدًا على إباحة جمع المال من حله؟ فما وجه الخوف مع الإباحة؟ أويأذن الشرع في شيء ثم يعاقب عليه؟ هذا قلة فهم وفقه.

ثم تعلقه بعبد الرحمن وحده دليل على أنه لم يسبر سير الصحابة، فإنه قد خَلَّف طلحة ثلاثمائة بهار، في كل بهار ثلاثة قناطير، والبهار الحمل؛ وكان مال الزبير خمسين ألف ألف ومائتي ألف، وخَلَّف ابن مسعود رضي الله عنه تسعين ألفًا، وأكثر الصحابة كسبوا الأموال وخلفوها، ولم ينكر أحد منهم على أحد، وأما قوله:"إن عبد الرحمن يحبو حبوًا يوم القيامة، فهذا دليل على أنه لا يعرف الحديث، أوكان هذا منامًا وليس في اليقظة، أعوذ بالله من أن يحبو عبد الرحمن في القيامة، أفترى من يسبق إذا حبا عبد الرحمن بن عوف، وهو من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن أهل بدر المغفور لهم، ومن أصحاب الشورى؟)."

من أكثر الكتب شيوعًا التي يستمد منها الوعاظ والقصاص والأئمة هذا الصنف من الأحاديث الضعيفة والموضوعة والآثار المختلقة كتاب إحياء علوم الدين للغزالي سامحه الله، حيث حوى هذا السفر على حوالي ستمائة حديث بين ضعيف وموضوع، وجزى الله الحافظ العراقي خيرًا حين تنبه لخطورة ما في هذا الكتاب من الأحاديث المختلفة، فحققه في مؤلف أسماه"المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار"، وهو مطبوع وبعض نسخ الإحياء مذيلة به.

ولهذا قال تلميذ الغزالي أبوبكر بن العربي المالكي: لم أر كتابًا تحت أديم السماء مليء بالكذب على رسول الله مثل كتاب الإحياء، أوكما قال؛ والغزالي نفسه رحمه الله يعترف بأن بضاعته في الحديث بضاعة مزجاة، ولهذا وجب التنبيه للتثبت والتحقق فيما ورد في هذا الكتاب من الأخبار، وأنه لا يحل لأحد أن يستدل بما ورد فيه من أحاديث إلا بعد التأكد من صحتها.

لهذا السبب حذر السلف من القصاص والوعاظ ونهوا عن تمكينهم من المساجد والجلوس إليهم، وعدوا ذلك من البدع المنكرات والحوادث المهلكات.

قال ابن الحاج المالكي في المدخل: (مجلس العلم الذي يُذكر فيه الحلال والحرام واتباع السلف رضي الله عنهم، لا مجالس القصاص فإن ذلك بدعة.

وقد سئل مالك رحمه الله عن الجلوس إلى القصاص، فقال: ما أرى أن يجلس إليهم، وإن القصص لبدعة.

وقال ابن رشد: كراهة القصص معلومة من مذهب مالك.

وروى يحيى بن يحيى أنه قال: خرج معنا فتى من طرابلس إلى المدينة، فكنا لا ننزل منزلًا إلا قص علينا حتى بلغنا المدينة، فكنا نعجب من ذلك، فلما أتينا المدينة إذا هو قد أراد أن يفعل بهم ما كان يفعل بهم، فرأيته وهو قائم يحدثهم، وقد لهَوْا عنه، والصبيان يحصبونه، ويقولون له: اسكت يا جاهل.

فوقفت متعجبًا لما رأيت، فدخلنا على مالك، فكان أول شيء سألناه عنه بعد أن سلمنا عليه ما رأيناه من الفتى، فقال مالك: أصاب الرجال إذا لهَوْا عنه، وأصاب الصبيان إذ أنكروا عليه باطله.

قال يحيى: وسمعت مالكًا يكره القصص، فقيل له: يا أبا عبد الله! فإن تكره هذا، فعلام كان يجتمع من مضى؟ فقال: على الفقه.

وقال ابن أبي زيد في الكتاب"الجامع": وأنكر مالك القصص في المسجد.

وعن الفضل بن مهران قال: قلت ليحيى بن معين: أخ لي يقعد إلى القصاص؛ قال: انْهَهُ؛ قلت: لا يقبل: قال: عظه؛ قلت: لا يقبل؛ قال: اهجره؛ قلت: نعم.

ينبغي للمسؤولين عن المساجد أن لايمكنوا قاصًا ولا واعظًا من غير المعروفين من الحديث إلى الناس، لظن البعض أن كل من علا المنبر أوقام خطيبًا فهو عالم، وإن لم يفعلوا فعلى الحاضرين أن يخرجوا ويتركوهم، وهذا أضعف الإيمان.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت