فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 1363

ولك أن تقارن بما قام به عمر في هذا الشأن، وبقاء من هجَّرهم الجفاف في السبعينيات إلى أطراف الخرطوم، وهم إلى الآن في أحياء عشوائية نتج عنها كثير من الأضرار، حيث هجر كثير منهم رعيهم، وزراعتهم، وديارهم، وعاشوا في معسكرات، وتشاغلوا بالمهن الهامشية، حيث لم يستفد المسؤولون في ذلك العهد من أن الهجرة العشوائية أضرارها كثيرة، سيما وقد نتج منها في عهد المهدية مجاعة"سنة ستة"المشهورة 1306ه.

فلله در عمر من إمام عادل، وفقيه بارع، وعبقري ملهم.

حادي عشر: ينبغي للمنظمات الغوثية الإسلامية أن تعنى بهذه التدابير والخطط الناجحة التي سلكها عمر، وأن تتوسع فيها، وتدرسها، وتلقنها للعاملين فيها والمنتسبين إليها، فهو أول من أصَّل وقعَّد في هذا الشأن، بدلًا من أن نكون عالة على المنظمات الكنسية.

فقد أعزنا الله بالإسلام، وأغنانا بما شرعه لنا على لسان ولد عدنان، وأمدنا بالسياسات الشرعية والممارسات العملية في عهود الخلفاء الراشدين، والأئمة المهديين، ومن تبعهم من الولاة العاقلين.

واللهَ أسألُ أن يحفظ علينا ديننا، وأن يجنبنا الفتن، ما ظهر منها وما بطن، والكوارث، والزلازل، والمحن، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على إمام الهدى، وخاتم الأنبياء، وعلى آله وأصحابه الأوفياء، وعلى من تبعهم بإحسان ما تعاقب الملوان

العبادات توقيفية، ولهذا فإن الله جلت حكمته لا يقبل عبادة إلا ما شرعه لنا على لسان نبيه، وتعبده بها هو وأصحابه الكرام، والسلف العظام، فما كان عليه هو وأصحابه هو الدين الذي لا يقبل الله غيره، ولهذا قال مالك: ما لم يكن في ذاك اليوم دينًا فلن يكون اليوم دينًا.

فما من عبادة إلا ولها شرطان، هما:

1.الصدق، وهو ميزانها الداخلي:"وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ".

2.والمتابعة، وهو ميزانها الخارجي:"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد"، كما صح بذلك الخبر.

من عجيب أمر البعض إضافتهم كل رزية، ونطيحة، وموقوذة إلى مذهب مالك رحمه الله، ذلكم الإمام المبجل والفقيه المعظم، فإذا أنكرتَ عليهم ما أحدثوه من بدع، نحو الاستغاثة بالأحياء والأموات، والتبليغ من غير حاجة، والدعاء الجماعي دبر الصلوات المكتوبات، والتنبيه قبل أذان الفجر، والتسحير في رمضان، ونحو ذلك، اعترض عليك بأنا نحن مالكية!!

وما علم هؤلاء المساكين أن مالكًا رحمه الله كان من أشد الأئمة بغضًا للبدع، وكان حربًا شعواء على أهل الأهواء، ولهذا كان كثيرًا ما ينشد:

وخير أمور الدين ما كان سنة وشر الأمور المحدثات البدائع

وأثر عنه قوله كذلك:"لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح بها أولها"، وضبط مذهبه بضابط متين وهو قاعدة"سد الذرائع".

لهذا وغيره أحببت أن أذكر إخواني المسلمين في السودان وخارجه بحكم وفتاوى مالك وتلاميذه وأئمة مذهبه في السماع الصوفي، والرقص، والتواجد، ونحو ذلك من ممارسات الصوفية، ليعلم الجميع أن النهي والتحذير عن ذلك، وتبديع وتضليل فاعله ليس قاصرًا على فئة معينة من العلماء، ابن تيمية، وتلاميذه، والوهابية، وإنما هذا مما أجمعت عليه الأمة قاطبة، وأطبقت عليه الفقهاء سلفًا وخلفًا، إلا ما شذ وزل.

لقد طمت البلوى وعمت بهذه البدع المنكرات، وجبن الكثير من العلماء وطلاب العلم عن بيان مخالفتها لشرع الحبيب المصطفى، والرسول المجتبى، حتى أضحت دينًا يوالى ويعادى عليها، بل نافقهم البعض بشهود ذلك وحضوره، ووصف من يعترض عليها بأنه قالٍ وجافٍ لإمام الهدى:"كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِن يَقُولُونَ إِلا كَذِبًا".

وإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالعلي الأعلى، والصلاة والسلام على الرحمة المهداة، والنعمة المسداة، والسراج المنير، وعلى آله وصحابته والتابعين.

نماذج من فتاوى مالك، وتلاميذه، وأئمة مذهبه في السماع الصوفي، والرقص، والتواجد

1.قال مالك رحمه الله: (فما لم يكن يومئذ دينًا لم يكن اليوم دينًا، وإنما يعبد الله بما شرع) .

2.قال الونشريسي: (حكى عياض عن التنيسي أنه قال: كنا عند مالك وأصحابه حوله، فقال رجل من أهل نصيبين: يا أبا عبد الله، عندنا قوم يقال لهم الصوفية، يأكلون كثيرًا، ثم يأخذون في القصائد، ثم يقومون فيرقصون.

فقال مالك: أصبيان هم؟

قال: لا.

قال مالك: أمجانين هم؟

قال: لا، قوم مشايخ، وغير ذلك عقلاء.

فقال مالك: ما سمعت أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا إلا أن يكون مجنونًا أوصبيًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت