السبب الأول: أن من أعان مفطرًا في نهار رمضان على الفطر فعليه من الوزر مثل ما على المفطر لا ينقص ذلك من وزره شيئًا، كما أن:"من فطر صائمًا كان له مثل أجره غير أنه لا ينقص من أجر الصائم شيء".
السبب الثاني: أن المال الذي يكسبه من ذلك حرام عليه.
وهذا الحكم يشمل كل مسلم، سيما:
1.ولاة الأمر، والمشرفين على الأسواق.
2.أصحاب المطاعم، والمقاهي، والبقالات، وجميع محال بيع الطعام والشراب، والعاملين فيها، ولا يحل لأحد أن يفتري على الله الكذب -كما يدعي ذلك بعض الموظفين والعمال- ويقول: أنا عبد المأمور؛ إذ لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولو طلب منه المأمور هذا عمل شيء فيه ضرر عليه لما أقدم عليه أبدًا.
3.ولاة الأمر في البيوت رجالًا ونساءً، فلا يحل لأم، ولا أخت، ولا بنت، ولا خادمة أن تصنع طعامًا أوشرابًا لمفطر من غير عذر، فإن فعلت فقد عصت اللهَ ورسولَه، وذهبت بأجر صيامها، فالجميع مسؤول بحكم رسول الله صلى الله عليه وسلم:"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، فالإمام راع وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها.. وكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته"الحديث؛ وليعلم هؤلاء أنهم مسؤولون ومحاسبون ومأزورون مثل أوزار من أعانوهم على ذلك، ومسؤولية ولاة الأمر أكبر من مسؤولية أصحاب المطاعم، والمقاهي، والبقالات، والحافلات، والمنتزهات، والمطاعم المختلطة ليلًا، والعاملين فيها، ومسؤولية هلؤلاء أكبر من مسؤولية ربات البيوت، فكلكما تعدى الضرر كان الوزر أكبر.
فيجب على ولاة الأمر أن يأمروا بإغلاق المطاعم، والمقاهي، و"الكفتيريات"، وجميع محلات بيع الطعام والمشروبات، وأن ينزلوا صارم العقوبات على من يخالف ذلك، قيامًا بمسؤولياتهم وحفاظًا على صيامهم وقيامهم:"فكم من صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش، وكم من قائم ليس له من قيامه إلا السهر والتعب"،"ومن لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة إلى أن يدع طعامه وشرابه"، وتذكر أخي المفطر من غير عذر"أن من أفطر يومًا من رمضان من غير رخصة لم يجزه صيام الدهر"، وإن صامه، كما روى ذلك أبو هريرة يرفعه إلى الرسول صلى الله عليه وسلم.
ليكن لك أيتها الأم الكريمة التأسي بالرُّبَيِّع بنت مُعَوَّذ رضي الله عنها في ترويض أبنائك الصغار على الصوم، دعك عن الكبار، حيث قالت:"فكنا بعد ذلك نصومه، ونصوِّم صبياننا الصغار منهم، ونذهب إلى المسجد فنجعل لهم اللعبة من العهن، فإذا بكى أحدهم على الطعام أعطيناها إياهم حتى يكون عند الإفطار"، هذا بالنسبة لعاشوراء، فكيف برمضان؟!
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى أصحابه الطاهرين الطيبين، يا أرحم الراحمين، وبعد..
ذهب أهل العلم في ذلك ثلاثة مذاهب هي:
1.حرام: حُكي ذلك عن سعيد بن المسيب، وأحمد، وإسحاق، وبعض الحنابلة، كما قال ابن قدامة، وهو مذهب الظاهرية؛ ودليل هذا الفريق ما خرَّجه مسلم في صحيحه عن أم سلمة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:"إذا دخل العشر وأراد أحدكم أن يضحي، فلا يأخذ من شعره ولا من أظفاره شيئًا حتى يضحي".
2.مكروه: وهو قول لمالك ، والشافعي ، ورواية عن أحمد ، والقاضي أبي يعلى من الحنابلة، وبعض الحنابلة؛ واستدل هذا الفريق بقول عائشة رضي الله عنها:"كنت أفتل قلائد هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويقلدها بيده ، ثم يبعث بها، ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي".
3.جائز: وهذا مذهب أبي حنيفة، لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، ومن ثم لا يكره له حلق الشعر وتقليم الأظافر لمن لم يرد أن يضحي.
و الراجح القول الأول للحديث الصحيح الصريح، أما حديث عائشة رضي الله عنها فحديث عام، ولا قياس مع حديث صحيح صريح؛ قال ابن قدامة رحمه الله معلقًا على حديث أم سلمة السابق: (ومقتضى النهي التحريم، وهذا يرد القياس ويبطله، وحديثهم عام وهذا خاص يجب تقديمه، وتنزيل العام على ما عدا ما تناوله الحديث الخاص، ولأنه يجب حمل حديثهم على غير محل النزاع لوجوه منها:أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن ليفعل ما نهي عنه، و إن كان مكروها؛ قال الله تعالى إخبارًا عن شعيب"وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه"؛ ولأن أقل أحوال النهي أن يكون مكروها، ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم ليفعله، فيتعين حمل ما فعله في حديث عائشة على غيره، ولأن عائشة تعلم ظاهرًا ما يباشرها به من المباشرة، أوما يفعله دائما كاللباس والطيب ، فأما ما يفعله نادرا كقص الشعر، وقلم الأظفار مما لا يفعله في الأيام إلا مرة فالظاهر أنها لم ترده بخبرها.. ولأن عائشة تخبر عن فعله وأم سلمة عن قوله والقول يُقدَّم على الفعل.. إذا ثبت هذا فإنه يترك قطع الشعر وتقليم الأظافر فإن فعل استغفر الله ولا فدية عليه