فهرس الكتاب

الصفحة 196 من 1363

يخلط كثير من المسلمين بين موالاة الكفار والتشبه بهم المنهي عنهما من ناحية، وبين الإحسان الجائز إلى الفقراء من الكفار والنهي عن ظلمهم من ناحية أخرى، ولهذا قال عمر:"أهينوهم ولا تظلموهم"، وقال لأبي موسى الاشعري:"لا تعزهم وقد أذلهم الله، ولا تكرمهم وقد أهانهم الله، ولا تدنيهم وقد أقصاهم الله"، قال هذا عندما اتخذ أبوموسى كاتبًا نصرانيًا.

ومن العجيب الغريب احتجاج البعض على جواز موالاة الكفار نحو تهنئتهم بالعيد ومشاركتهم في مواكبهم واستقبالهم وإكرامهم بهذه الآية، وزعمهم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وهذا من الأبجديات التي لا تغيب عن طالب علم أبدًا، أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

لكن هل يدخل في عموم اللفظ التشبه بالكفار، وموالاتهم، ومجاملاتهم في أعيادهم ونحوها؟ وهل يا ترى عندما نهى عمر، وعلي، ومالك، والشافعي، وأحمد، وغيرهم كثير عن تهنئة الكفار بالعيد ومشاركتهم فيه، كانت هذه القاعدة غائبة عنهم؟ هذا من باب القياس الفاسد والتأويل الباطل، وهو شبيه ومماثل لقياس إبليس عندما قال:"خلقتني من نار وخلقته من طين"، حين استكبر عن السجود لآدم، وأبى الامتثال لأمر الله.

والله المسؤول أن يؤلف بين قلوب المسلمين، ويهديهم سبل السلام، وأن يفقهنا الدين، ويعلمنا التأويل، وصلى الله وسلم على من تركنا على المحجة البيضاء، والحنيفية السمحة، وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم إلى يوم الدين.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

وبعد..

هذه رسالة أود أن أتوجه بها إلى جميع أبنائي وبناتي طلاب الجامعات والمعاهد العليا الجدد، نتيجة تجارب معلم، وعصارة خبرات أبٍ مربٍ، وشيخ مجرب، لعل الله أن ينفع بها، وعساها أن تجد قبولًا واستجابة، نسأل الله أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.

أولًا: أهنئكم بالتوفيق والنجاح وتحقيق الرغبات، فعليكم شكر هذه النعمة لربكم مسديها، ولوالديكم، وأسركم، وأساتذتكم الذين أعانوكم على ذلك، فبالشكر تدوم النعم.

ثانيًا: تأكدوا وتيقنوا من أن الكلية والتخصص الذي قبل به أحدكم مناسب لقدراتكم العقلية قبل رغباتكم وتمنياتكم وتمنيات أهليكم، واعلموا أن كلًا ميسر لما خلق له، ولهذا لابد من أن يتدارك كل منكم ذلك فترة الحذف والإضافة، قبل فوات الأوان، وحلول الندم، والاصطدام بالواقع.

ثالثًا: اعلموا أيها الأبناء والبنات أن وظيفتكم الأساسية في هذه المرحلة هي التحصيل العلمي، ثم التحصيل العلمي، ثم التحصيل العلمي، فحاجة الأمة الإسلامية للعلم المفيد، والتخصص الدقيق لا تدانيها حاجة، واحذروا أن تشغلوا عن هذه الوظيفة بغيرها، أوأن تعتبروها من النوافل.

رابعًا: احرصوا على الوقت واستثماره، والاستفادة منه إلى أقصى حد، فما الأعمار إلا دقائق وثوانٍ، وإلا أسابيع، وأيام، وشهور، وأعوام.

خامسًا: لا تؤخروا عمل اليوم إلى الغد، واحذروا التسويف والتأخير.

سادسًا: وثقوا صلاتكم بالمكتبات الخاصة والعامة والتجارية، فخير جليس في الزمان كتاب، ولا تقنعوا بالمذكرات، ولا بالمناهج والكتب المقررات.

سابعًا: احرصوا أن تكون تخصصاتكم والعلوم التي تدرسونها وما يهيئكم إليه ذلك التخصص بعد التخرج موافقًا للشرع، غير مصادم ومخالف له.

ثامنًا: اعلموا أيها الأبناء والبنات أن تخصصاتكم هذه كلها لا تخرج عن دائرة فرض الكفاية، وأن فرض العين هو معرفتك لربك، ولرسولك، ولما يوجبه عليك دينك من التكاليف، ومعرفة الحلال والحرام، والسنة والبدعة، فإن كنت جاهلًا بذلك جهلًا كليًا فلا يحل لك الاشتغال بفروض الكفاية والحال هكذا، وعليك أن تعمل لسد هذا النقص وتفاديه بحضور الدروس في المساجد، ومزاحمة المشايخ بالركب، ولا تظنن أيها الأحباب أنكم ستتداركون ذلك بعد التخرج، فهذه أحلام وآمال يصعب تحقيقها إلا لأصحاب الهمم العالية، وإلا لمن وفقه الله، وما يدريك أن تأتيك منيتك قبل ذلك؟

تاسعًا: الحرص على مرافقة الأخيار، ومجالسة من يذكرك بما يجب عليك من الأوامر الشرعية، وما ينفعك في دينك ودنياك إذا نسيت، ويعينك إذا ذكرت، واعلم أن المرء على دين خليله، فمعاشرة الأخيار غنيمة، وصحبة الأشرار جريمة وجريرة عظيمة، وقد مثل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل مرغب في الجليس الصالح، ومنفر ومحذر من جليس السوء:"مثل الجليس الصالح وجليس السوء كحامل المسك ونافخ الكير..."الحديث.

عاشرًًا: كونوا مسلمين واعين، وأبناء صالحين، بالمحافظة على جامعاتكم، وأدواتها، وأثاثها، وممتلكاتها، وقدروا أساتذتكم، واحترموا من يقومون بخدمتكم من الموظفين والعمال.

الحادي عشر: تذكروا أيها الأعزاء من الأبناء والبنات أنكم مسلمون مكلفون، وأنكم رجال المستقبل وأمل الأمة، ولهذا عليكم بالتزام الأوامر والنواهي، التي أهمها:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت