وأما الدعاء لهم بالرحمة والمغفرة فلا يجوز اتفاقا؛ لقوله تعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُواْ أُوْلِي قُرْبَى مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ [التوبة:113] ، ولعدول النبي صلى الله عليه وسلم عن الدعاء بالرحمة للعاطسين من اليهود إلى الدعاء لهم بالهداية، وأما الدعاء لهم بكثرة المال والولد وغير ذلك من المصالح الدنيوية فقد اختلف في مشروعيته، كما قال ا لهيثمي في تحفة المحتاج، وجوزه النووي ، وقال المناوي في فيض القدير بجوازه، ذكر ذلك في شرح الحديث: إذا دعوتم لأحد من اليهود والنصارى فقولوا أكثر الله مالك وولدك . وهذا الحديث ضعيف السند فقد رواه ابن عدي وابن عساكر وضعفه الشيخ الألباني .
والله أعلم.
المفتي: مركز الفتوى بإشراف د.عبدالله الفقيه
دليل العامة
من أجاز مس المصحف من غير وضوء وحججهم
رد أهل العلم ودحضهم لها
أقوال العلماء
تنبيهات
الحمد لله القائل:"إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون تنزيل من رب العالمين"، وصلى الله وسلم وبارك وعظم على رسوله القائل:"لا يمس القرآن إلا طاهر"، ورحم الله علماء الأمة الذين لا يجتمعون على ضلالة.
وبعد..
لقد أجمع عامة أهل العلم قديمًا وحديثا، من لدن الصحابة ومن بعدهم أن المصحف لا يمسه إلا طاهر على وضوء إلا شذوذًا من الأقوال.
ومن ذهب إلى ذلك من أهل العلم على سبيل المثال لا الحصر:
من الصحابة
علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وعبد الله بن عمر رضي الله عنهم من غير مخالف لهم.
ومن التابعين
عطاء، والزهري، والنخعي، وحماد، وطاوس، والحسن، والشعبي، والقاسم بن محمد رحمهم الله.
من الأئمة المقتدى بهم
جميع فقهاء الأمصار بالمدينة والعراق والشام، منهم أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وأبو عبيد، رحم الله الجميع.
دليل العامة
1.قوله عز وجل:"لا يمسُّه إلا المطهرون".
2.وقوله صلى الله عليه وسلم:"لا يمس القرآن إلا طاهر"الحديث.
قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: (لا يقرأ أحد المصحف إلا وهو متوضئ، وليس ذلك لقول الله عز وجل:"لا يمسه إلا المطهرون"، ولكن لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"لا يمس القرآن إلا طاهر") .
قال ذلك إسحاق رحمه الله لاختلاف أهل التأويل في الآية، فمنهم من ذهب إلى أن المراد بالمطهرين الملائكة، ولكن السنة بينت المراد وحسمت الخلاف، فالواجب الأخذ بقول من نزل عليه القرآن وأعطاه الله مثله من البيان.
من أجاز مس المصحف من غير وضوء وحججهم
شذ البعض وأجاز لغير المتوضئ مس المصحف، وذلك لبعض الشبه التي عرضت لهم، والله يتجاوز عنا وعنهم، وهم الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان، وداود بن علي الظاهري.
احتج المجيزون لذلك ببعض الشبه، وهي:
1.أن المراد بالمطهرين في قوله تعالى:"لا يمسه إلا المطهرون"، الملائكة.
2.أن المراد بالآية الخبر وليس النهي، إذ لو كان ذلك نهيًا لقال:"لا يمسّه"، أي بسكون السين المشددة وليس بضمها، لأنها حينئذ تكون مجزومة بلا الناهية.
3.وبقوله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن ليس بنجس".
4.وبكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهرقل، وفيه قوله تعالى:"قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء"الآية، وهرقل كافر نجس وقد مس الكتاب.
5.وبأنه يباح للصبيان في الكتاتيب مسه ولو كان لا يحل مسه لما جاز لهم أن يمكنوا من ذلك.
6.وبأنه تباح القراءة من الحفظ لغير المتوضئ.
هذه أهم الشبه التي رفعها المجيزون لذلك.
رد أهل العلم ودحضهم لها
قال ابن عبد البر رحمه الله:(وأما الحكم بن عتبة، وحماد بن أبي سليمان، فلم يختلف عنهما في إجازة حمل المصحف بعلاقته لمن ليس بطاهر، وقولهما عندي شذوذ ومخالفة للأثر، وإلى قولهما ذهب داود بن علي، قال: لا بأس أن يمس المصحف، والدنانير والدراهم التي فيها ذكر الله، الجنب والحائض؛ قال: ومعنى قوله"لا يمسه إلا المطهرون"هم الملائكة؛ قال: ولو كان ذلك نهيًا لقاله"لا يمِسُّه"؛ واحتج أيضًا بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم:"المؤمن لا ينجس".
قال أبو عمر: قد يأتي النهي بلفظ الخبر ويكون معناه النهي، وذلك موجود في كتاب الله كثير، نحو قوله:"الزاني لا ينكح إلا زانية أومشركة"جاء بلفظ الخبر، وكان سعيد بن المسيب وغيره يقول: إنها منسوخة بقول الله عز وجل:"وأنكحوا الأيامى منكم"، ولو لم يكن عنده في هذا الخبر معنى النهي ما أجاز فيه النسخ، ومثله كثير) .