إلى أن قال: وفيهم من لا يقبل قول المنجم لا في الباطن ولا في الظاهر، لكن في قلبه حسيكة من ذلك، وشبهته قوية لثقته به، من جهة أن الشريعة لم تلتفت إلى ذلك، لا سيما إن كان قد عرف شيئًا من حساب النَّيِّرَيْن، واجتماع القرصين، ومفارقة أحدهما الآخر بعدة درجات، وسبب الإهلال والإبدار والاستتار والكسوف والخسوف، فأجرى حكم الحاسب الكاذب الجاهل بالرؤية في هذا المجرى.
إلى أن قال مكذبًا ما نسبه بعض المالكية للشافعي رحمه الله: وحكاه بعض المالكية عن الشافعي أن من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر لم يتبين له من جهة النجوم أن الهلال الليلة وغم عليه جاز له أن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه، وهذا باطل عن الشافعي لا أصل له عنه، بل المحفوظ عنه خلاف ذلك كمذهب الجماعة).
• وقالت هيئة كبار العلماء في ردها على سؤال ورد عليها في هل يجوز العمل بالحساب في العبادات أم لا؟:(أولًا: القول الصحيح الذي يجب العمل به هو ما دل عليه قوله صلى الله عليه وسلم:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فأكملوا العدة"، من أن العبرة في بدء شهر رمضان وانتهائه برؤية الهلال، فإن شريعة الإسلام التي بعث الله بها نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم خالدة مستمرة إلى يوم القيامة.
ثانيًا: أن الله تعالى علم ما كان وما سيكون من تقدم علم الفلك وغيره من العلوم، ومع ذلك قال:"فمن شهد منكم الشهر فليصمه"، وبينه رسوله صلى الله عليه وسلم بقوله:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"الحديث، فعلق صوم شهر رمضان والإفطار منه برؤية الهلال، ولم يعلقه بعلم الشهر بحساب النجوم، مع علمه تعالى بأن علماء الفلك سيتقدمون في علمهم بحساب النجوم وتقدير سيرها، فيجب على المسلمين المصير إلى ما شرعه لهم على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم من التعويل في الصوم والإفطار على رؤية الهلال، وهو كالإجماع من أهل العلم، ومن خالف في ذلك وعول على حساب النجوم فقوله شاذ لا يعول عليه) .
الخلاصة
1.أن العمل بالحساب لا يحل أبدًا في إثبات الأهلة، لا في حال الغيم ولا الصحو، لا للحاسب والمنجم ولا لمن قلدهما.
2.من صام بالحساب لا يجزئه صومه ولا فطره لذلك.
3.الحاكم الذي يلزم الناس بالحساب لا تجوز طاعته في ذلك كما قال مالك، لأن الطاعة لا تكون إلا في المعروف.
4.على المسؤولين أن يتقوا الله في دينهم وإسلامهم، وليحذروا التبديل والتغيير فيه.
5.لا يجوز للهيئات ومجالس الفتوى أن تتهاون في هذا الأمر أوتساير ما يهواه بعض الحكام، ولئلا يتحملوا وزر تصويم الناس وإفطارهم بغير وجه حق، وعليهم الاقتداء والتأسي بالإمام الشهيد والقاضي الرشيد محمد بن الحُبُلي قاضي مدينة"برقة"في وقته، الذي رفض أن ينصاع لأمر العبيديين في تفطير الناس بالحساب، وقتل صابرًا محتسبًا، ظلمًا وعدوانًا، فعلى من قتله لعائن الله المتتاليات مصحوبة بغضبه.
ذكر الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته: (أتاه أمير برقة فقال: غدًا العيد؛ قال: لم نر الهلال، ولا أفطر الناس وأتقلد إثمهم؛ فقال: بهذا جاء كتاب المنصور - وكان هذا من رأي العبيديين يفطرون بالحساب، ولا يعتبرون رؤية - فلم يُر هلال، فأصبح الأمير بالطبول والبنود وأهبة العيد، فقال القاضي: لا أخرج ولا أصلي؛ فأمر الأمير رجلًا خطب، وكتب بما جرى إلى المنصور، فطلب القاضي إليه فأحضر، فقال له: تنصل، وأعفو عنك؛ فامتنع، فأمر فعُلق في الشمس إلى أن مات، وكان يستغيث من العطش فلم يسق، ثم صلبوه على خشبة، فلعنة الله على الظالمين) .
لهذا فقد تعجبت واستغربت جدًا مما صدر من دائرة العلوم الطبيعية والتطبيقية التابعة لمجمع الفقه الإسلامي بعنوان"بيانات حول الأهلة لعام 1425ه"من غير تاريخ، وحددوا فيه أوائل الشهور: رجب، وشعبان، ورمضان، وشوال، وذي الحجة بالحساب، لما فيه من رد للنصوص الصحيحة الصريحة وإجماع الأمة، فتعين الرد عليه نصحًا للأمة، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، ومعذرة إلى الله، ولعلهم يرجعون.
فاختر لنفسك طريقة أهل السنة، واصبر عليها، واحذر طريقة الرافضة المخذولين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على من بعث رحمة للعالمين، ونبيًا للأميين، وإمامًا للمهتدين، والله من وراء القصد، وهو الهادي إلى سواء السبيل.
المراجع
• ... الاختيار لتعليل المختار لابن مودود الحنفي.
• ... ثبوت الأهلة بين الرؤية والحساب للأمين الحاج - مسودة.
• ... الجامع لأحكام القرآن للقرطبي.
• ... سير أعلام النبلاء للذهبي.
• ... فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء بالسعودية.
• ... مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية
حقيقة المشكلة في دارفور
الأسباب غير المباشرة التي أدت إلى تفاقم الأمر في دارفوروتصعيدها
ما يجب على المسلمين عمله لاحتواء هذه الفتنة