فهرس الكتاب

الصفحة 112 من 1363

إذا تمسك البعض بقول بعض الأئمة، فتمسك أنت بالكتاب وما صح من السنة، وإذا نقب البعض وفتش عن الزلات، والهفوات، والسقطات، فنقب أنت عن الصحاح القطعيات، وإذا سلك البعض بُنَيَّات الطريق، فاسلك أنت جادته تفوز في يوم الوعيد، وإذا اتخذ الناس الرؤوس الجهال، وشيوخ السوء الضلال، المفتونين الأغمار، فاتخذ أنت أئمة السنة الأخيار، وإذا أخذ الناس العلم من كل من هب ودب، فتثبت أنت فيمن تأخذ عنه دينك، فإن العلم دين كما قال مالك وغيره من العلماء الناصحين الأطهار، وإذا قنع البعض بالتعصب والتقليد، فلا تقنعن إلا بالاتباع والدليل، وإذا اكتفى البعض بالبرك والجداول، فلا تقنع أنت إلا بالأخذ من المنابع، وإذا أحب البعض المبتدعة والفسقة، فأحب أنت الأنبياء، والرسل، والعلماء، والصالحين البررة، واعلم أن المرء مع من أحب، وإذا حاول البعض أن يشبِّه ويلبِّس عليك بالاحتجاج بالرجال، فرد عليه بما رد به على أمثالهم عليٌّ رضي الله عنه، حين قال له بعضهم: لو كنتَ على حق لما خرج عليك طلحة والزبير؛ فألقمه حجرًا وأسكته أبدًا:"يا هذا إنك ملبوس عليك، الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله".

وبما قاله العالم الرباني والبطل المتفاني عبد الله بن المبارك رحمه الله على بعض من استحلوا شرب النبيذ بشرب بعض أهل العلم له.

قال الإمام الشاطبي المالكي رحمه الله: (وقد روي عن ابن المبارك أنه قال: كنا بالكوفة فناظروني في ذلك - يعني في النبيذ المختلف فيه - فقلت لهم: تعالوا فليحتج المحتج منكم عمن شاء من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بالرخصة، فإن لم نبين الرد عليه عن ذلك الرجل بشدة صحت عنه؛ فاحتجوا، فما جاءوا عن واحد برخصة إلا جئناهم بشدة ، فلما لم يبق في يد أحد منهم إلا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه - وليس احتجاجهم عنه في رخصة النبيذ بشيء يصح عنه، قال ابن المبارك: فقلت للمحتج في الرخصة: يا أحمق! عد أن ابن مسعود لو كان ها هنا جالسًا فقال: هو لك حلال، وما وصفنا عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه في الشدة، كان ينبغي لك أن تحذر، أوتحير، أوتخسى؛ فقال قائلهم: يا أبا عبد الرحمن: فالنخعي والشعبي - وسمى عدة معهما - كانوا يشربون الحرام ؟ فقلت لهم: دعوا عند الاحتجاج تسمية الرجال، فرب رجل في الإسلام مناقبه كذا وكذا، وعسى أن يكون منه زلة، أفلأحد أن يحتج بها؟ فإن أبيتم فما قولكم في عطاء، وطاوس، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، وعكرمة؟ قالوا: كانوا خيارًا؛ قال: فقلت: فما قولكم في الدرهم بالدرهمين يدًا بيد؟ فقالوا: حرام؛ قال ابن المبارك: إن هؤلاء رأوه حلالًا، فماتوا وهم يأكلون الحرام؟ فبقوا وانقطعت حجتهم) .

قال الشاطبي: والحق ما قال ابن المبارك، فإن الله تعالى يقول:"فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ"، فإذا كان بينًا ظاهرًا أن قول القائل مخالف للقرآن أوللسنة لم يصح الاعتداد به، ولا البناء عليه، ولأجل هذا يُنقض قضاء القاضي إذا خالف النص أوالإجماع، مع أن حكمه مبني على الظواهر مع إمكان خلاف الظاهر، ولا يُنقض مع الخطأ في الاجتهاد وإن تبين، لأن مصلحة نصب الحاكم تناقض نقض حكمه، ولكن يُنقض مع مخالفة الأدلة، لأنه حكم بغير ما أنزل الله).

وكذلك عن ابن المبارك قال:"أخبرني المعتمر بن سليمان قال: رآني أبي وأنا أنشد الشعر، فقال لي: يا بني، لا تنشد الشعر! فقلت: يا أبتِ كان الحسن ينشد، وكان ابن سيرين ينشد؛ فقال لي: أي بني! إذا أخذتَ بشرِّ ما في الحسن وبشرِّ ما في ابن سيرين اجتمع فيك الشرُّ كله".

وإذا تشبه البعض بالكفرة والفسقة من الفنانين والممثلين، فتشبه أنت بالرجال الصالحين، فإن التشبه بالرجال فلاح ونجاح.

اللهم نوِّر البصائر، وأصلح الضمائر، ونقِّ السرائر، ووفق للاتباع، وجنب الابتداع، وصلى الله وسلم على من ترك أمته على المحجة البيضاء، والحنفية السمحة، وعلى آله، وأصحابه، والتابعين لهم، المقتفين لآثارهم، كلما ذكرك الذاكرون الأخيار، وغفل عن ذكرك الغافلون، وما تعاقب الليل والنهار

يحجم كثير من الناس عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بحجة أنه مقصر في نفسه، ويظن ويعتقد أنه لا يحل له أن يأمر بما لا يأتيه، أوينهى عما هو واقع فيه، بل ينكر أشد الإنكار على الذين يأمرون وينهون مع تقصيرهم، مستدلًا ببعض الآيات، والأحاديث، والآثار، نحو:

قوله تعالى:"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ"، وقوله:"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللهِ أَن تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت