فهرس الكتاب

الصفحة 113 من 1363

وقوله صلى الله عليه وسلم فيما خرجه مسلم في صحيحه عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتاب بطنه، فيدور بها كما يدور الحمار بالرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان مالك، ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى، قد كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه".

وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ليلة أسري بي مررت على ناس تقرض شفاههم بمقارض من نار، فقلت: يا جبريل، من هؤلاء؟ قال: هؤلاء الخطباء من أهل الدنيا، يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون".

وعن أبي أمامة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"إن الذين يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم يجرون قُصْبَهم في نار جهنم، فيقال لهم: من أنتم؟ فيقولون: نحن الذين كنا نأمر الناس بالخير وننسى أنفسنا".

ومن الآثار قول أبي الأسود الدؤلي:

وغير تقي يأمر الناس بالتقوى طبيب يداوي الناس وهو سقيم

يا أيها الرجل المعلم غيره هلا لنفسك كان ذا التعليم

لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيم

وابدأ بنفسك فانهها عن غيها فإن انتهت عنه فأنت حكيمُ

فهناك يقبل إن وعظتَ ويُقتدى بالقول منك وينفع التعليم

وقول أبي العتاهية:

وصفتَ التقى حتى كأنك ذو تقى وريح الخطايا من ثناياك تسطع

وقول منصور الفقيه:

إن قومًا يأمرونا بالذي لا يفعلونا

لمجانين وإن هم لم يكونوا يُصْرعونا

وقول الجماز:

ما أقبح التزهيد من واعظ يُزَهِّدُ الناس ولا يزهدُ

لو كان في تزهيده صادقًا أضحى وأمسى بيته المسجدُ

إن رفض الدنيا فما باله يستمنح الناس و يسترفدُ

والرزق مقسوم على ما ترى يناله الأبيضُ والأسود

فالتوبيخ والزجر هذا الذي ورد في القرآن، والسنة، والآثار، في ترك فعل البر وأعمال الخير، لا بسبب الأمر بالبر والمعروف والنهي عن المنكر والقبيح، فهذان أمران مختلفان، وما لا يفعل كله لا يترك جله، فالآمر الناهي غير الملتزم بما يأمر ولا المنتهي عما ينهى، يؤجر ويثاب على أمره ونهيه، ويعاقب ويؤنب على تقصيره؛ هذا مذهب أهل السنة قاطبة، وهو الذي يؤيده الدليل ويطلبه الواقع.

لا شك أن الأكمل، والأفضل، والأجدى، والأنفع في الأمر والنهي أن يأتمر الإنسان بما يأمر به، وينتهي عما ينهى وينكر.

قال القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى:":"أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ..": (اعلم وفقك الله أن التوبيخ في الآية بسبب ترك فعل البر، لا بسبب الأمر بالبر، ولهذا ذم الله تعالى في كتابه قومًا كانوا يأمرون بأعمال البر ولا يعملون بها، وبخهم به توبيخًا يتلى على طول الدهر إلى يوم القيامة) ."

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر حكمه الوجوب على قدر الطاقة، وعلى هذا أجمعت الأمة، قال تعالى:"وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ".

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان".

وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:"ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل".

وعن حذيفة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"والذي نفسي بيده، لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أوليوشكن الله أن يبعث عليكم عقابًا منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم".

ترك الأمر والنهي سبب لنزول البلاء، ولحجب الدعاء، ولاستحقاق اللعن والطرد من رحمة الله، قال تعالى:"لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ"، ثم بين علة ذلك:"كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ".

قال القرطبي عن قوله:"لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ": (ذم لتركهم النهي، وكذا من بعدهم، يذم من فعل فعلهم) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت