وقال النووي:(يجب على من سمع إنسانًا يبتدئ بغيبة محرمة أن ينهاه إن لم يخف ضررًا ظاهرًا، فإن خافه وجب عليه الإنكار بقلبه، ومفارقة ذلك المجلس إن تمكن من مفارقته، فإن قدر على الإنكار بلسانه، أوعلى قطع الغيبة بكلام آخر، لزمه ذلك، فإن لم يفعل عصى.
إلى أن قال:
روينا عن إبراهيم بن أدهم رضي الله عنه أنه دعي إلى وليمة، فحضر، فذكروا رجلًا لم يأتهم، فقالوا: إنه ثقيل؛ فقال إبراهيم: أنا فعلت هذا بنفسي حيث حضرت موضعًا يغتاب فيه الناس؛ فخرج فلم يأكل ثلاثة أيام.
ومما أنشدوه في هذا:
وسمعك صُن عن سماع القبيح كصون اللسان عن النطق به
فإنك عند سماع القبيح شريك لقائله فانتبه).
ما ورد في ثواب وأجر من ذب عن عِرْض أخيه المسلم سيما المشايخ
من حق المسلم على أخيه المسلم أن يذب عن عرضه، ويدفع عنه، ويظن به الظن الحسن، وعليه أن يحمل ما صدر منه على أحسن محمل هو واجده، فمن ذبَّ عن عرض أخيه المسلم ذبَّ الله النار عن وجهه يوم القيامة.
ويتعين هذا الذب والدفع في حق المشايخ والعلماء، وأهل الفضل الصلحاء.
إليك طرفًا فيما ورد في فضل ذلك وثوابه:
1.عن أبي الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من ردَّ عن عرض أخيه ردَّ الله عن وجهه النار يوم القيامة".
2.وفي حديث عِتبان الطويل المشهور قال:"قام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي، فقالوا: أين مالك بن الدُّخْشم؟ فقال رجل: ذلك منافق لا يحب اللهَ ورسولَه؛ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا تقل ذلك، ألا تراه قد قال: لا إله إلا الله، يريد بذلك وجه الله؟".
3.روى الحسن البصري أن عائذ بن عمرو وكان من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل على عبيد الله بن زياد، فقال: أي بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن شرَّ الرعاءِ الحطمة"، فإياك أن تكون منهم؛ فقال له: اجلس، فإنما أنت من نخالة أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم؛ فقال: وهل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم.
4.وفي قصة توبة كعب بن مالك رضي الله عنه في حديثه الطويل قال:"قال النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟ فقال رجل من بني سَلِمة: يا رسول الله، حبسه برداه، والنظر في عطفيه؛ فقال له معاذ بن جبل رضي الله عنه: بئس ما قلتَ، والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا؛ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم".
5.روى أبو داود في سننه عن جابر بن عبد الله وأبي طلحة رضي الله عنهم قالا: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ما من امرئ يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته، وينتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله في موطن يحب فيه نُصْرته، وما من امرئ ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه، وينتهك فيه من حرمته، إلا نصره الله في موطن يحب نصرته".
6.وعن معاذ بن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"من حمى مؤمنًا من منافق - أراه قال - بعث الله تعالى ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلمًا بشيء يريد شينه حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال".
عليك أخي المسلم أن تنزه سمعك عن سماع الغيبة، والتلذذ بها بقلبك، كما تنزه لسانك عن قولها، فالمستمع والمصغي والمتلذذ في الإثم سواء مع ذاكر الغيبة بلسانه.
وعليك أن تدفع وتذب عن عرض أخيك المسلم مستور الحال، سيما العلماء، والصلحاء الفضلاء منهم، ولا تَهَب ذلك وتخشاه، فالله أحق أن تخشاه، فإن لم تستطع ذلك فبقلبك، وذلك أضعف الإيمان، وإلا فسارع بالخروج من ذلك المجلس، وإن جبنت عن ذلك فالهُ عنها بسمعك، واشغل لسانك وقلبك بذكر الله، يتحتم ذلك في كل وقت وحين، سيما في شهر الصيام والقيام، في رمضان، حيث تزداد حرمة الغيبة ويعظم خطرها وضررها.
وتذكر أخي الصائم قول نبيك:"كم من صائم ليس له من صومه إلا الجوع والعطش"، وقوله:"من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة أن يدع طعامه وشرابه".
عليك بحفظ جوارحك عن المحرمات في رمضان وغيره، ولا تكتفِ بالإمساك عن المباحات في غير رمضان، وتنغمس في المحرمات فيه وفي غيره.
اللهم أعنا على حفظ الجوارح، ويسرنا للعمل الصالح، واهدنا لأحسن الأقوال والأعمال، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، وصحبه، والتابعين
سأل رجل الشافعي رحمه الله فقال: يا أبا عبد الله، أيُّما أفضل للرجل: أن يمكن أوأن يبتلى؟ فقال الشافعي: لا يمكَّن حتى يبتلى، فإن الله ابتلى نوحًا، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمدًا صلوات الله وسلامه عليهم، فلما صبروا مكنهم، فلا يظن أحد أنه يخلص من الألم البتة.
الابتلاء والاختبار والافتتان من سنن المرسلين، وأتباعهم إلى يوم الدين، ولو عُفي أحد من ذلك لعُفي وكُفي أخلاء الله وأصفياؤه، ولن تجد لسنة الله تبديلًا، ولن تجد لسنة الله تحويلًا.